فهرس الكتاب

الصفحة 6559 من 27364

وعبر إصرارهم المستميت على تخريب عقيدة الإسلام يزرعون الألغام الواحد تلو الآخر، فتجدهم يدعون إلى الانفصال بين الحكمة والشريعة ويفسرون الحكمة بأنها (الفكر العلمي) ويسمون الشريعة (بالظاهرة الدينية) (16) مع أن الحكمة تعني العلم والفقه والمعرفة بالقرآن وخشية الله والفهم والبصر والعقل، كما جاء ذلك عن ابن عباس ومجاهد وابن مسعود، وزيد بن أسلم، ومالك؛ وذلك في تفسير قوله ـ تعالى ـ: (( يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) ) [البقرة: 269] ، وقوله ـ تعالى ـ: (( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ ) ) [لقمان: 12] (17) .

وتارة أخرى ينظرون إلى (الحق) على أنه خاضع (للتاريخانية) بمعنى أن وجوده ومظاهره تتغير بتغير نظرة العقل إليه، كما يتغير العقل بدوره بتغير النتائج ووجوه الحق التي يستبينها ويتعقلها.

كما يتبنون وظيفة الفلسفة لتسويغ الموجودات والأحكام إلى العقل في كل الممارسات والمعالجات بما في ذلك إثارة مسائل وقضايا ومواقف معرفية ما كان التفكير فيها ممكناً بل كان مستحيلاً، ولذلك تجدهم يُرجعون انتشار المدّ الإسلامي إلى غياب الفلسفة عن معظم المدارس والجامعات بالبلدان الإسلامية. والحقيقة أن الفلسفة لا تمارس تأثيرها إلا في غيبة نور الوحي الإلهي، أو في حالة خفوته، أو في حالة جهل الناس بحقيقتها وجهلهم بالمنهج النبوي على وجهه الصحيح. وتملك الفلسفة القدرة على التلبيس بما تملكه من أدوات، فهي تتزيّا بزي العقل حيناً، وبزي العلم حينا آخر، وتملأ الفراغ المخيف الذي تتركه غيبة الهداية الإلهية عن العقول (18) .

وبينما اشتهر أهل التخريب العقدي في مصر وسوريا باستخدام مصطلحات: (نقد الخطاب الديني) و (نقد الفكر الديني) ، استخدم نظراؤهم المستوطنون في دول الغرب مصطلح: (نقد العقل الإسلامي) .

يعرِّف أهل التخريب العقدي (العقل الإسلامي) بأنه هذا العقل المتقيد بالوحي أو المُعطَى المنزل. ويقر بأولوية المعطَى لأنه إلهي، وأن دور العقل ينحصر في خدمة الوحي، أي فهم وتفهيم ما ورد فيه من أحكام وتعاليم وإرشاد، ثم الاستنتاج والاستنباط منه، فالعقل تابع وليس بمتبوع اللهم إلا بالقدر الذي يسمح به اجتهاده المصيب بفهم وتفهيم الوحي.

لا يقر أهل التخريب العقدي بذلك، ويصبون كل انتقاداتهم على علاقة العقل بالمُعطى المنزل، وعلى رضاه بأن يبقى دائماً في الدرجة الثانية، أي في حدود الخادم دون أن يجرؤ أبداً على مبادرة أو سؤال أو تأويل لا يسمح به الوحي المحيط بكل شيء، بينما العقل لا يدرك شيئاً إدراكاً صحيحاً إلا إذا اعتمد على الوحي المبين (19) .

إنه ما عُصي الله بشيء إلا أفسده على صاحبه؛ ومن أعظم معصية العقل إعراضه عن كتاب الله ووحيه، فأي فساد أعظم من فساد هذا العقل؟ إن علم الأنبياء وما جاؤوا به عن الله لا يمكن أن يدرك بالعقل ولا يكتسب، وإنما هو وحي أوحاه الله إليهم بواسطة الملك، أو كلام يكلم به رسوله منه إليه بغير واسطة كما كلم موسى. وهذا متفق عليه بين جميع أهل الملل المقرين بالنبوة المصدقين بالرسل، ولا يخالفهم في ذلك إلا جهلة الفلاسفة وسفلتهم. ولكن أهل التخريب العقدي يريدون أن يعكسوا شرعة الله وحكمته؛ فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ جعل الوحي إماماً والعقل مؤتماً به، وجعله حاكماً والعقل محكوماً عليه، ورسولاً والعقل مرسلاً إليه، وميزاناً والعقل موزوناً به، وقائداً والعقل منقاداً له؛ فصاحب الوحي مبعوث، وصاحب العقل مبعوث إليه، والآتي بالشرع مخصوص بوحي من الله، وصاحب العقل مخصوص ببحث عن رأي أو فكرة. الرسول يقول: معي كتاب الله، وهم يقولون: معنا العقل. الرسول يقول: معي نور خالق العقل به أهدي وأهتدي، ويقول: قال الله كذا، قال جبريل عن الله كذا، وهم يقولون: قال فيكو.. قال بيير بورديو.. قال جاك دريدا.. قال فرانسوا إيوالد.. إلخ.

بين العقل والوحي:

إن قضايا العقل تشمل على العلم والظن والوهم، وقضايا الوحي كلها حق؛ فأين قضايا مأخوذة عن عقل قاصر عاجز عرضة للخطأ، من قضايا مأخوذة عن خالق العقول وواهبها هي كلامه وصفاته؟! (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت