فهرس الكتاب

الصفحة 6560 من 27364

(العقل هو المصدر والعامل في كل ما يعبر عن الإنسان ويبلغه بلغة من اللغات، وهو المسؤول عن عملية تركيب المعاني في إنتاج جميع المنظومات) ، هكذا يقول أهل التخريب العقدي في دفاعهم عن (فتنة خلق القرآن) ، وقد وصل بهم التبجح إلى القول بأنه (لو استمرت المناظرات بين العقل القائل بخلق القرآن والعقل الخادم الخاضع للقرآن غير المخلوق، لكان الوضع المعرفي للعقل الإسلامي اليوم على غير ما هو عليه، بمعنى: أن الفسحة العقلية ما كانت لتصبح ضيقة محدودة تسودها الأرثوذكسية العقائدية المعروفة اليوم) (21) أي انتصار أهل السنة والجماعة، الذين يقولون إن القرآن كلام الله ـ تعالى ـ منه بدأ، فنزل غير مخلوق، ألفاظه ومعانيه عين كلام الله، سمعه جبريل من الله، والنبي سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو القرآن المكتوب بالمصاحف المحفوظ بالصدور المتلو بالألسنة. القرآن عند أهل السنة والجماعة كلام الله ـ تعالى ـ بالحقيقة وليس بمخلوق ككلام البرية، ومن سمعه وزعم أنه ككلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله ـ تعالى ـ وعابه، أو أوعده عذابه حيث قال: (( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ) ) [المدثر: 26] التي أوعدها الله لمن قال: (( إنْ هَذَا إلاَّ قَوْلُ البَشَرِ ) ) [المدثر: 25] (22) .

البؤس الفكرى لدي بعض المفكرين العرب:

وقد اعترف أهل التخريب العقدي بأن التوجه الإسلامي الصحيح قد كشف أزمة المجتمع في العمق، وكشف في الوقت نفسه عن البؤس الفكري لمعظم المثقفين العرب ومراهقتهم الفكرية، كما أنه كشف كذلك عن التخلف المنهجي والمعرفي للفكر العربي المعاصر؛ فالواقع في واد وهم في واد آخر؛ فبؤسهم الفكري عاجز عن طرح أي مشكلة بشكل صحيح بل عاجز حتى عن رؤية المشكلة ذاتها.

أقر أهل التخريب العقدي بأن زميلهم (المثقف العربي) يقف أمام نظيره الغربي (كالفلاح الفقير الذي يقف خجلاً بنفسه أمام الغني الموثر) ويقولون في ذلك: (يقف مثقفنا العربي أمام نظيره الغربي وهو يكاد يتهم نفسه ويعتذر عن شكله غير اللائق ولغته غير الحضارية ودينه المتخلف، ويستحسن المثقف الغربي منه هذا الموقف ويساعده على الغوص فيه أكثر فأكثر حتى ليكاد يلعن نفسه أو يخرج من جلده لكي يصبح حضارياً أو حداثياً مقبولاً) (23) .

لقدأحسن أهل التخريب العقدي وأجادوا في وصف حال المثقفين العرب الذين هم أيضاً من دعاة هذا التخريب. لكن حال أهل التخريب العقدي أمام المثقفين الغربيين ليس بأفضل من حال المثقفين العرب الذين يهاجمونهم. هاهم يقفون خجلين أمامهم من الخطاب الإسلامي الذي يتحدث عن التوحيد والصلاة والصيام والزكاة والحج والحجاب والجهاد. إنهم يقدسون لغة الغرب، ويكتبون بها، ويرونها مؤيدة للنقد الفلسفي والتاريخي والعلمي وأن لها أرضية خصبة من الجهاز المفهومي الداعي إلى المزيد من الدقة والتعمق في النقد. أما لغتهم (اللغة العربية) فلا تتحمل اقتران النقد بالعقل الإسلامي. ها هم يعتذرون عن شكلهم غير اللائق، ولغتهم غير الحضارية، ودينهم المتخلف فيحذرون الإسلاميين من أن خطابهم المتردد على ألسنة الخواص والعوام يمجه جميع الناس في الغرب، وأنه لا يتيح إلا المزيد من الرفض والاستبعاد وسوء التفاهم، ويحذرون أيضاً بأن على الخطاب الإسلامي أن يغير من طريقته التي تثير ردود فعل وتحريض للغرب على الإصرار في الهيمنة واستراتيجية الإخضاع والتسيير التحكمي للعالم (الإسلامي) المتخلف. ثم يدافعون عن الغرب ويقولون: (بأن للغرب حق الحماية لقيم مدنيته والدفاع عن أمانته أمام قوى العنف والجهل وعدم التسامح) (24) .

يريد أهل التخريب العقدي خطاباً إسلامياً يتحدث للغرب بلغة ما وراء الحداثة (25) والديموقراطية، ومفهومي الفرد والمواطن، والتعاقد والتفاعل بين دولة القانون والمجتمع وأن يراعي الجانب الحقوقي والفلسفي للتجربة الديموقراطية، وإلا فهو خطاب متخلف يستحق أن يمجه الغربيون ويرفضوه.

الهوامش:

(1) الجعد بن درهم مبتدع ضال. قال بخلق القرآن، وكان مؤدب مروان بن محمد، قتله خالد ابن عبد الله القسري سنة 118هـ يوم النحر. انظر ابن قيم الجوزية، الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، تحقيق د. علي بن محمد الدخيل الله، ج3، دار العاصمة، الرياض، 1412هـ، ص 1071.

(2) سليمان بن صالح الخراشي، محمد عمارة: في ميزان أهل السنة والجماعة، دار الجواب، الرياض، 1413هـ ـ 1993م، ص 9.

(3) أمين أبو عز الدين (نقلاً عن محمد وقيع الله أحمد) ، الدين والعلمنة في طروحات محمد أركون، الآداب، عدد 5، مايو 1993م، ص 29.

(4) محمد أركون، أين هو الفكر الإسلامي المعاصر، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، ص 7.

(5) (الرقاعة الثقافية) تعبير استخدمه الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه، قصة أبو زيد وانحسار العلمانية في جامعة القاهرة، الدار الذهبية، القاهرة، ص 13.

(6) أمين أبو عز الدين، مرجع سابق، ص 24.

(7) محمد أركون، مرجع سابق، ص 3.

(8) المرجع السابق، ص 30، 66، ص 8. (9) المرجع السابق، ص 16، 9.

(10) المرجع السابق، ص 5، 7، 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت