ولنقطع هنا سياق هذا التعليق الذي كتبه الدكتور محمد عصفور منذ عشرين عاما لنسوق ردا على مثل سؤاله صدر منذ أيام قلائل من الدكتور بلتاجي وزير السياحة - سابقا - والإعلام حاليا بمصر في قناة فضائية وهو يبرر عدم السماح بإنشاء حزب إسلامي في مصر بحجة أن إنشاء هذا الحزب رسميا - بالرغم من الاعتراف بوجوده فعليا - يعني أن غير المنتمين إليه ليسوا مسلمين، متجاهلا أن مثل هذه الحجة لو صحت فإنها تعني عدم السماح بإنشاء أي حزب في أي مكان في العالم، لأن أي حزب من الأحزاب في جميع أنحاء العالم سوف توجه إليه التهمة الساذجة نفسها، في حين أنه لا يضم ولا يدعي أنه يضم جميع الأفراد الذين ينتمون إلى عقيدة الحزب، وإنما هو على أقصى تقدير يدعي أنه يضم من"يتبرع للعمل الحركي لهذا الحزب"أو ذاك، والمحاكمة أوالمحاسبة في هذا ترجع لبرنامج الحزب المسموح به قانونا: إن كان يدعي هذا الأمر أو ذاك، ولو طبقنا هذا المقياس على إنشاء الحزب"الوطني الديموقراطي"الذي ينتمي إليه الوزير نفسه لكان معنى ذلك أن في قيامه اتهاما لغير من ينتمي إليه باللاوطنية واللاديموقراطية، وهو ادعاء ظاهر البطلان.
كما ادعى الوزير أن السماح بإنشاء حزب إسلامي يعني السماح بإنشاء حزب مسيحي؟ ولم لا؟ وحجة الوزير في عدم السماح بذلك أن إنشاء أحزاب إسلامية وأخرى مسيحية يعني إثارة الفرقة الطائفية منطلقا من عقيدة الحزب الواحد الأحد، متناسيا أن للمسيحيين - دون غيرهم - في مصر مؤسستهم الأقوى من أي حزب، وهي الكنيسة بما لها من صلاحيات صارمة في جميع المجالات، فإنشاء حزب لهم لا يعنيهم كثيرا، وهو ليس إلا تحصيل حاصل من درجة اقل في حال قيامه، متجاهلا في الوقت نفسه فلسفة إنشاء الأحزاب نفسها - في الفكر الديموقراطي الذي اصبح الجميع يدعيه - وأنها تقوم على فلسفة الاعتراف بواقع التعددية والممارسة السلمية مختلفة تماما عن الفلسفة الإستئصالية للحزب الواحد الذي أخذ يتوارى عن الساحة السياسية في العالم منذ سقوط الاتحاد السوفيتي
لكنها العقلية العلمانية التي تتكشف من رماد بيئة استئصالية لازالت تداعب عقول الكثيرين.
ولنرجع إلى تعليق الدكتور محمد عصفور إذ يقول موجها كلامه إلى العلمانيين: (أن يسائلوا أنفسهم: كيف تسيطر المعتقدات بل والأساطير الدينية إلى هذا الحد على مصائر الشعوب؟ وعليهم أن يستمعوا إلى ما يقوله القس الأمريكي"بريان هيهيو"من أن الكنائس الأمريكية مؤسسات رئيسية، وأنها وإن لم تكن أحزابا سياسية إلا أن دورها واضح في تشكيل وتعبئة جمهور من الأنصار الملتزمين بمنهجها في المسائل السياسية الخارجية) .
ويقول الدكتور محمد عصفور في تعليقه على رسالة الدكتور يوسف الحسن: (على الرغم من أن مبدأ الفصل بين الدولة والكنيسة مبدأ دستوري مقرر بالتعديل الدستوري الأمريكي الأول إلا أن للكنيسة والدين هيمنتهما على الحياة الأمريكية في شتى مناحيها، وارتكازا على هذا الواقع أعلنت الحركة المسيحية الأصولية عن أهدافها السياسية بصراحة شديدة، ولذلك قال قادتها:(إن حركتهم تعني الاستيلاء على الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسساتها) .