فهرس الكتاب

الصفحة 6692 من 27364

وقال أحد زعمائها: (نحن ثوريون، نعمل على قلب التركيبة الحالية في الولايات المتحدة الأمريكية.. نحن نتحدث عن مسحنة الولايات المتحدة الأمريكية) ولهذا السبب فإنه - وإن بدا أن السلطة السياسية يتقاسمها الحزبان الديموقراطي والجمهوري إلا أن الحركة الأصولية المسيحية والمسيحية السياسية عامة تكون القوة السياسية الغالبة، ليس فقط من خلال التحالف مع اليمين الرجعي في الحزب الجمهوري -!! - وإنما كذلك من خلال التحكم في العملية الانتخابية والتأثير الشديد في ملايين الناخبين الذي تجندهم الحركة لمؤازرة هذا المرشح للرياسة أو ذاك، ولم يكن من المبالغة أن تعتبر الحركة المسيحية الأصولية:"أهم ظاهرة سياسية في القرن العشرين"، وأن يتوقع لها اللاهوتي الإنجليزي"جيمس بار"أن تستمر خمسمائة عام على الأقل"ولم تبق هذه الظاهرة الدينية السياسية مقصورة أو محصورة في نطاق ما تبشر به هذه الحركة، وإنما هي امتدت إلى انتخابات الرياسة الأمريكية بل وانتخابات الكونجرس الأمريكي، فقد لوحظ - وبحق - أن الشعب الأمريكي انتخب في العقد الأخير رئيسين يؤمنان بأهمية الدين في المجتمع الأمريكي وبحلول عام 1980 كان ثلاثة من المرشحين لرياسة الجمهورية يرفعون نفس الشعار، كما كان واضحا أن مسألة الدين قد احتلت الصدارة في مناقشات الحملات لعام 1984 سواء على شكل التغطية الصحفية، أو التعليقات الإعلامية، أو في تأثير ذلك في المجتمع نفسه، وبينما أعلن كارتر عام 1976 عن شعاره وإيمانه بعقيدة الولادة الثانية كمسيحي B r on Aqain عبر ريجان في 23 أغسطس 1984 في خطاب له بمدينة كنساس عن إيمانه بدور الدين في المجتمع الأمريكي رغم تأكيد التعديل الدستوري الأول لمبدأ الفصل بين الدين والسياسة أو الفصل بين الكنيسة والدولة، ومما جاء في خطابه قوله:"يلعب الدين دورا حاسما في الحياة السياسية لأمتنا)[أنظر سلسلة مقالات للدكتور محمد عصفور بجريدة الوفد حوالي

وأخيرا ليقل لنا العلمانيون في بلادنا: هل يسمحون بوضع شعار ديني على ورق البنكنوت كما هو الحال في أوراق البنكنوت الأمريكية؟

ويقول الأستاذ الدكتور محمد البهي عن العلمانية في أوربا بوجه عام: (إن الموطن الذي ولد فيه الفكر العلماني - وهو إنجلترا وفرنسا وألمانيا - لم يأخذ بالاتجاه العلماني في التطبيق في الحياة العملية: التاج البريطاني لم يزل حاميا للبروتستنت، وفرنسا لم تزل حامية للكثلكة في صورة عملية، والدولة في انجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا رغم إعلان أنها علمانية تساعد المدارس الدينية من ضرائبها التي تجبيها من المواطنين مع علمها باستقلال هذه المدارس في برامجها التعليمية، وببعدها عما تجريه الدولة من تفتيش على النفقات التي تنفقها) [ص: 30]

وعندما كتب الدكتور البهي ثلاث مقالات بمجلة الأزهر عام 1985 عن المستشرقين والمبشرين واعتبرت بعض دوائر الفاتيكان أنها تنطوي على بعض الإحراج لشئون التبشير الكاثوليكي كان أول احتجاج وصل إلى وزارة الخارجية المصرية هو احتجاج سفارة الولايات المتحدة الأمريكية تلاه احتجاجات أخرى عديدة من السفارات الغربية التي تمثل في بلادها أكثرية بروتستنتية أو كاثوليكية على السواء، مما يدل على أن الدولة العلمانية الغربية لم تزل ترعى المسيحية كدين والكنيسة الأوربية كسلطة دينية وتحرص على تمكينها من مباشرة رسالتها، كحرصها على حماية أملاك الكنيسة الأوربية وكحرصها على جباية الضرائب الخاصة بالكنيسة الأوربية عن طريق أجهزتها الإدارية.

وحتى رجال الدولة أنفسهم في ممارستهم السياسية العامة للمجتمع يخضعون في ظروف معينة لملاءمة أنفسهم مع تقاليد الكنيسة الأوربية، وعلى سبيل المثال: دوق أوف وندسور وأنتوني إيدن في انجلترا: كلاهما اضطر إلى ترك الوظيفة العامة أو عدم السعي إليها لأن سلوك كل منهما في حياته الزوجية لا يتفق مع ما تراه الكنيسة الأوربية من تقاليد في الزواج.

والجنرال ديجول في فرنسا أقال وزير التربية الاشتراكي في وزارته بعد أن عاد للحكم في المرة الثانية بسبب عدم موافقة الوزير على مساعدة المدارس الدينية في فرنسا من مدارس الجيزويت والفرير بمبلغ ستين مليونا من الجنيهات الاسترلينية في ميزانية 1963 من غير حق التفتيش عليها من قبل وزارة التربية.

ودولة الفاتيكان لم تزل تقوم من جانبها بدور كبير في سياسة البلاد ذات الأغلبية الكاثوليكية عن طريق الأحزاب السياسية التي تسمى بالديموقراطية المسيحية وكذلك في السياسة الدولية العالمية، فالأحزاب الديموقراطية المسيحية هي أجهزة للعمل على رسم الخطة لتنفيذ اتجاه الفاتيكان بالدرجة الأولى وعن طريقها حالت الكنيسة الأوربية دون أن تتطرف العلمانية إلى النوع الثاني الذي يقيم البلشفية دينا بدل المسيحية أو عملت على إسقاطها بعد قيامها [أنظر العلمانية والإسلام بين الفكر والتطبيق"للأستاذ الدكتور محمد البهي نشرة مجمع البحوث الإسلامية ص 44 وما بعدها] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت