-ولا فرق بين عمرو بن لحي الخزاعي وهو أول من غير دين إبراهيم ، فأدخل الأصنام إلى الحجاز ودعا إلى عبادتها من دون الله ، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله وبين من تابعه على ذلك من العرب من بعد .
ولقد خاطب القرآن الكريم أهل الكتاب بما ارتكبه آباؤهم من قبل ، وما ذلك إلا لإقرارهم له ورضاهم به ، فقال تعالى: ( وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) ( البقرة: 91 ) .
يقول لهم: إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان بما أنزل عليكم ، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بين أيديكم وقد أمرتم باتباعهم وتصديقهم ؟ وهذا خطاب لليهود الذين كانوا في زمن صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن أحداً من هؤلاء لم يرتكب شيئاً من ذلك ، وإنما هو أمر جناه آباؤهم من قبل ، فخوطبوا به لرضاهم به وإقرارهم له . ومثل ذلك كثير في القرآن .
-المسألة الثانية: إن القول بأن هذه العلمانية المعاصرة تسعى إلى التغيير ، وأن ذلك ينفي شبهة الرضا والمتابعة أمر يحتاج إلى تفصيل:
ذلك أنه لا منازعة في صحة المبدأ في ذاته ، فمن جاء على ميراث سابق من الكفر، ولكن أعلن انخلاعه عنه ، وكفره به وبراءته منه ، ثم توجه بكل جهده نحو تغييره وإزالته ، فلا شك أنه لا ينسحب عليه حكم من سبقه ، ولا يُسأل عن جريمة جناها غيره ، بل يسلك - إن صدق - في عداد المجاهدين .
أما إذا كان يروغ ويدور ، فيزعم الإيمان ويدعي التوجه إلى التغيير ، ويقدم بين يدي ذلك أعمالاً هزيلة مدخولة ، ثم تتجه خطاه بعد ذلك نحو الباطل الذي توارثه تدعيماً له وتثبيتاً لأركانه ، ومدافعة عنه ومجادلة دونه ، بل ويوالي ويعادي على ذلك فمن رضي بشرعه ومنهاجه قربه ووالاه ، ومن ظن به سوى ذلك أبعده وعاداه ، بل يخنق كل صوت يدعو إلى الحق ، وكل دعوة تعمل على إقامة الدين والتزام شرائعه ، فلا يجوز حينئذ أن يعول على قول تبين زوره ، ولا على دعوى تبين بطلانها ، ولا على زعم تحقق كذبه ، بل الأقرب أن يلحق هؤلاء بالزنادقة الذين لا تقبل لهم توبة في رأي فريق كبير من العلماء ! .
* الشبهة الثانية:
وتتمثل هذه الشبهة في القول بأن هذا المنهج يجدد في الأمة مقولة الخوارج وينبثق من مشكاته ، فهم الذين رفعوا عبر التاريخ شعار: ( لا حكم إلا لله ) وعرفوا به من دون الفرق جميعاً ، وانطلقوا منه في استحلال دماء المخالفين وأموالهم !!
والجواب على هذه الشبهة أن قوله تعالى: ( إن الحكم إلا لله ) قد حكاه القرآن الكريم على لسان الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم قبل أن تنقله لنا دواوين التاريخ على ألسنة الخوارج ! أفيكون كل من دعا إلى إقامة الدين وتحكيم الشريعة وإفراد الله بالعبادة والتشريع المطلق خارجياً من الخوارج ؟ ترى ماذا يكون إذن مبدل الشرع ، ومحل الحرام ومحرم الحلال والداعي للفصل بين الدين والدولة ؟ أيكون على بن أبي طالب ؟! .
ولقد رفع الخوارج هذا الشعار ليكفروا به أئمة الجور من المسلمين في وقت كان الأصل فيه هو التحاكم إلى الشريعة ، وقيام الدولة على حراسة الدين وسياسة الدنيا به ، وإن غشيها من المظالم ما غشيها ، فكانوا مبطلين خارجين عن الحق .
ويرفعه اليوم المجددون من الدعاة إلى الله وقد أعلنت العلمانية وحكمت القوانين الوضعية التي تحل الربا والزنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن وتحميها بقوة الشرطة والقضاء ، يرفعونه ليردوا به الأمر إلى الله جل وعلا ، ولينتصروا به لشريعتهم المضاعة وكتابهم المهجور ، وليدفعوا عن الأمة شرك التشريع بما
لم يأذن به الله ، وباطل التحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله فكانوا مجاهدين أنصاراً لله ورسوله .