فهرس الكتاب

الصفحة 7690 من 27364

ينسب هذا المصطلح إلي أول رئيس لجمهورية غانا بعد الاستقلال كوامي نكرومه الذي كان أول صائغ ومستخدم له بعد أن أدرك سريعاً إثر استلامه لمقاليد الأمور في بلاده بأن السيادة الوطنية التي منحتها (بضم الميم) الدول الأفريقية من قبل القوي الاستعمارية الجالية عنها لم تكن أكثر من حبر على ورق، أو لنقل هدية رمزية لا أكثر، حيث لم يطرأ تغير معتبر على العلاقة بين المستعمر (بكسر الميم) والمستعمر (بفتحها) ، بل وجد نكرومه أن منح الاستقلال أوجد الفرصة لقيام نظام (مانيكيان) من التبعية والاستغلال حتى قال: الاستعمار الجديد هو أسوأ أشكال الإمبريالية، فهو بالنسبة للذين يمارسونه سلطة بلا مسؤولية، وهو بالنسبة للذين يعانون منه استغلال دون إمكانية التظلم، ففي أيام الاستعمار التقليدي كانت القوة الإمبريالية مضطرة لتفسير وتبرير ما تقوم به وتنهجه من سياسات في بلاد الآخرين أمام الشعب في بلادها، وكان سكان المستعمرات الخاضعون لنفوذ الأجنبي المسخرون لخدمته يتطلعون على الأقل إلى حمايته مما قد يتعرضون له على أيدي خصومهم؛ أما في حالة الاستعمار الجديد فلا هذا ولا ذاك متوفر.

ومع أن الحالة الأفريقية هي الأبرز في كتابات وتحليلات ذوي الخبرة والاختصاص في هذا المجال؛ إلا أن أقطار العالم الإسلامي - الموزعة على القارتين الآسيوية والأفريقية - تظل هي النموذج الأخطر والأهم، وذلك لما خصت به المنطقة الإسلامية - والعربية منها بشكل خاص - من موارد نفطية، ومواقع استراتيجية، ولعل أحداث العقد الأخير تسلط الضوء على حقيقة أن ما من قطر من أقطار المسلمين إلا وكان خاضعاً على الدوام خلال ما يزيد عن قرن من الزمان لأحد النوعين من الاستعمار، سواء الشكل التقليدي المباشر، أو الشكل الجديد غير المباشر، حتى إذا ما حاول أي نظام التمرد أو الخروج عن قواعد اللعبة المرسومة سرعان ما استبدل غير المباشر بالمباشر، وعاد القديم ليحل محل الجديد، كما هو الحال اليوم في كل من أفغانستان والعراق.

ولعل من خصوصيات المنطقة الإسلامية أيضاً وقلبها العربي أنها في الوقت الذي ودعت فيه قوات المستعمرين - وخاصة البريطانيين والفرنسيين - شهدت زرع كيان غريب في قلبها ليشكل رأس حربة استعمارية بما يمثله من قاعدة عسكرية لا قبل لمن حولها بها، وترسانة سلاحية لا مثيل لها، وبما يمثله من حل لأزمة أوروبية مستفحلة، وأقصد هنا الكيان الصهوني الذي أراد البريطانيون والفرنسيون من إقامته إدامة الضعف والشلل والتمزق في الأراضي التي توزعوها فيما بينهم من تركة العثمانيين، وفي نفس الوقت حل المشكلة اليهودية التي ظلت تؤرقهم قروناً طويلة ولم يجدوا لها حلاً أفضل من ترحيل اليهود عنهم، وتحويلهم - كما يقول الأستاذ عبد الوهاب المسيري - إلى جماعة وظيفية تقوم نيابة عنهم بتركيع العرب والمسلمين إلى أجل غير مسمي، وما أن ورث العم سام تلك الديار حتى ورث أبوة المشروع الصهيوني فصار هذا الكيان بوصفهم حليفاً استراتيجياً لا يجوز مجرد التفكير بسوء تجاهه.

يمكن للمتأمل أن يرى في الحالة العربية والإسلامية من الشذوذ عن الحالة الأفريقية ما يثير الانتباه، إذ أن كثيراً من الدول الإسلامية - ورغم رحيل المستعمر عنها - ظلت أراضيها مرتعاً للقوات الأجنبية - وفي هذه الحالة للوريث الأمريكي بعد أن أفل النجمان البريطاني والفرنسي - فيما يصعب تصنيفه من العلاقات، فما فتئ الأمريكان يحتفظون بقواعد في كثير من دول العالم العربي والإسلامي، وتنتشر في بقاعه محطات التجسس البشرية والإلكترونية، ويرتع السادة الأمريكان في روابيه وفيافيه كما يشاءون. والغريب في الأمر أن التواجد الأمريكي في الأقطار الأخرى خارج المنظومة العربية والإسلامية - وخاصة في اليابان وأوروبا الغربية وحتى الشرقية اليوم بعد انهيار المنظومة الاشتراكية - لم يحل وجودهم فيها دون تقدمها وتفوقها في كافة الميادين، بل كان التواجد العسكري الأمريكي أقرب إلى الوفاق والشراكة منه إلى فرض النفوذ والتسخير، وكأن الحالة العربية والإسلامية جمعت أسوأ ما في الاستعمارين القديم والجديد، ولعل من المفيد أن تدخل عالم المصطلحات مفردة جديدة لتعبر عن هذه الخصوصية، والتي لا تكاد ترى في غير بلداننا؛ مفردة بإمكانها أن تعبر عن وجود حالة من الاستعمار بكافة أشكاله المباشر وغير المباشر، ولكنه استعمار يصاحبه تخلف وفساد، واستبداد يروق للمستعمر وللنخب الحاكمة الراضخة له على حد سواء.

ولعل السر في هذه الخصوصية يكمن في مواصفات الدولة الحديثة التي قامت في المنطقة العربية بشكل خاص ـ والإسلامية بشكل أعم ـ على أنقاض الإمبراطوريات الإسلامية الكبيرة العثمانية والقاجارية والموغالية، فهذه الدول - أو الدويلات - الحديثة لم تتكون وليدة عوامل محلية فسحب، بل كان الغزو الاستعماري ثم الاحتلال الأجنبي هو المصمم لها، والراسم لحدودها، والمحدد لمواردها وإمكانياتها، بل والمقيد لصلاحياتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت