ما من شك في أن عقوداً بل ربما قروناً من التخلف الناجم عن التخلي عما عزت به الأمة الإسلامية فيما سبق من عصور الازدهار والتفوق هو الذي مكن لأوروبا من أن تحط بشطآن المسلمين، وتحيل أوطانهم إلي مستباحات للنهب، ومجاميع بشرية للسخرة، ولعل هذا ما قصده المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي بعبارة القابلية للاستعمار، فلولا تلك القابلية التي تجلت في حالة عامة من التخلف والجهل والقعود عن العمل بل واللامبالاة لما غدت أوطان المسلمين فريسة سهلة للمستعمرين، ونظراً لأن هذه القابلية للاستعمار إنما هي حالة عابرة، ولما كان المجتمع المسلم يحتفظ بالقدرة الكامنة على النهوض والثورة والتغيير؛ فقد كان الاستعمار لبلاد المسلمين استعماراً شرساً أتى - أو حاول أن يأتي - على البني التحتية للمجتمع، وقصد عن سبق إصرار وترصد ضرب منابع الإحياء، ومصادر الإلهام حتى لا يفيق النائم، ويستيقظ الغافل، وذلك نظراً لأن الهجمة الاستعمارية تصادفت مع محاولات محلية للإصلاح والتجديد استمرت طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وجد المستعمر أن لا بد من إعادة صياغة الثقافة حتى يصبح المجتمع طيعاً مطراقاً، فمنذ أن وطأت أقدام المستعمرين أراضي العرب والمسلمين لم يقف لهم بالمرصاد يقاومهم بثقة ويقين ورغبة في النصر أو الاستشهاد إلا علماء الأمة، الذين استفادوا من نفوذهم المعنوي في المجتمع، ومن مؤسسات الوقف التي ظلت لقرون طويلة مستقلة عن السلطان، مسخرة للنفع العام، فأصبحوا وأصبحت الأوقاف هدفاً أول لسلطات الحكم الأجنبي، ثم ما لبثت هذه السياسة القمعية أن استؤنفت من قبل الذين ورثوا الاستعمار في أنظمة ما بعد الاستقلال، تلك النخب التي استبدلت الإسلام بالعلمانية، واستمرت على نهج المستعمر ظلماً وعسفاً، وما فتئت تبطش بكل منتقد لها أو منكر لما جلبته من منكرات أو آمر إياها بمعروف، ولما كانت النخب الحاكمة ضعيفة معزولة ومكروهة من قبل الناس؛ فإنها تظل بحاجة ماسة إلى الحماية من قبل قوة خارجية، تتفاني في تقديم القرابين لها مقابل ألا يزعزع نظامها أحد، ولا يهدد أمنها أحد.
ولعل فيما ارتكبه نظام معمر القذافي الجاثم على صدور أهل ليبيا منذ أكثر من ثلاثة عقود أخيراً خير مثال على هذا النمط من النخب الحاكمة التي لم تترك وسيلة تنكيل بالناس إلا مارستها مبررة ذلك تارة بالحفاظ على مكتسبات الثورة، وتارة أخرى بضرورة مكافحة الزندقة، وتارة ثالثة باستئصال شأفة العملاء والخونة، وفي آخر المطاف ما أن تشعر بأن وجودها مهدد حتى تسلم البلاد والعباد للاستعمار، لا في شكله الجديد غير المباشر، بل في شكله القديم المباشر.
إن عودة الاستعمار المباشر إن دلت على شيء فإنما تدل على عدم قناعة المستعمر (المتمثل بالولايات المتحدة بشكل رئيسي) بجدوى الاستمرار في الاعتماد على النخب الحاكمة الموالية له، وللمرء أن يتأمل في مصير نظام صدام حسين الذين شنت الحرب على العراق للإطاحة به رغم أنه كان منذ يومه الأول صنيعة الولايات المتحدة وحلفائها، مدعوماً من قبلهم، بل ومسلحاً بكافة التقنيات الحربية التي مكنته من شن حرب على إيران نيابة عن الولايات المتحدة عقاباً للشعب الإيراني على ثورته على واحد من أهم الدركيين في المنظومة الإقليمية التي تدين بالولاء للعم سام، فلقد كانت الثورة الإيرانية ضد نظام الشاه صفعة مهينة ومؤلمة ومكلفة للولايات المتحدة وحلفائها.
لولا انهيار الثقة بمنظومة الدركيين والموالين لما اختار الأمريكان الغزو والاحتلال المباشر نظراً لأن تكلفة هذا النوع من الاستعمار أكبر بكثير بل وتحف به المخاطر، إنها مجازفة كبيرة، ونتائجها غير مضمونة، ولكنها بدت في نظر تيار المحافظين الجدد، المتنفذين في دوائر صنع القرار اليوم في واشنطن أهون الشرين، وأخف الضررين، ولعل حساباتهم فيما قامت عليه اشتملت على تخوف من أن تنهار المنظومة القائمة شيئاً فشيئاً تحت وطأة الضغط الشعبي - وخاصة الإسلامي - الذي فرض في أكثر من موقع في العالم الإسلامي على النخب الحاكمة أن تكيف خطابها وبعض سياساتها لتتجاوب مع الرغبات الشعبية العارمة.