فهرس الكتاب

الصفحة 7692 من 27364

ويمكن مرة أخري اللجوء إلي النموذج العراقي تدليلاً على هذه النظرية، إذ أن نظام الحكم البعثي - والذي طالما حارب بشراسة كل مظاهر التدين فارضاً العلمنة على المجتمع بالقوة - كان أحد الأنظمة التي اتجهت في السنوات الأخيرة نحو محاكاة الشارع الإسلامي، فكان له في نهاية المطاف بعض دور مؤثر في تعزيز وانتشار ظاهرة التدين حتى في أوساط الحزب الحاكم، والأجهزة العسكرية والأمنية التابعة له، وما من شك في أن مظاهر التدين في العالم العربي والإسلامي لم تقتصر على عامة الناس بل وصلت إلى النخب، وانتشرت حتى في أوساط المقربين من دوائر صنع القرار، الأمر الذي دق نواقيس الخطر، فسارع بعض حراس المنظومة الأمريكية إلى استثمار الأموال الطائلة في برامج إفساد إعلامية وثقافية، فهم أمام الملأ حراس للدين مدافعون عن قيمه ومقدساته، ولكنهم أيضاً ممولون لأفسد محطات التلفزة الفضائية والصحف والمجلات الوضيعة التي ما من غرض لها سوى مناهضة التدين عبر إفساد الناشئة، وإشغالهم بالتوافه والسفاسف.

بعد أكثر من عام على الغزو الأمريكي للعراق لا يبدو أن الاستعمار القديم المتجدد أقدر من سابقه على إنجاز أهدافه، بل ثمة خيبة أمل شديدة حتى الآن مرجعها تصاعد المقاومة العراقية ضد الغزو الأمريكي، وعجز إدارة الاحتلال عن تحقيق ما منت العراقيين به من حرية وأمن ورخاء وديمقراطية، بل على العكس من كل ذلك أثبت المحتلون أنهم لا يقلون انتهاكاً لحقوق الإنسان وجرأة على الكرامة الإنسانية من الطواغيت المحليين، ولولا أن الأوضاع في العراق على غير ما يشتهي الأمريكان لربما استمرت عجلة الغزو في الدوران، ولربما توسع الاحتلال جغرافياً ليشمل دولاً مجاورة كانت على القائمة - وربما ما تزال - تنتظر دورها، ومع أن إيران وسوريا هما المقصودتان بشكل مباشر إلا أن المملكة العربية السعودية لم تعد في مأمن هي الأخرى، ويستدل على ذلك بالحملات العدائية المستمرة ضدها في الإعلام الأمريكي وفي ردهات الكونغرس وغيره من مؤسسات النفوذ وصناعة القرار في واشنطن، وليس من المبالغة القول بأن زعماء هذه الدول الثلاث مدينون للمقاومة العراقية - وللأفغانية كذلك - بسبب عرقلتها للمشروع الأمريكي الاحتلالي الكبير.

من المثير للاهتمام وجود شعور متنام بأن مواجهة الاستعمار المباشر (أي في صيغته القديمة - المتجددة) أسهل على الناس في الدول المحتلة من مواجهة الاستعمار غير المباشر الذي تمثله الأنظمة الحاكمة في معظم الدول العربية والإسلامية بغض النظر عن وصفها جمهورية أم ملكية أم جماهيرية، وسواء وصل حكامها إلى السلطة عبر الانقلاب، أو من خلال التوريث، فهذه هي المناطق التي ترزح تحت الاحتلال الأجنبي المباشر تشهد مقاومة مسلحة متصاعدة، سواء في فلسطين، أو في أفغانستان، أو في العراق، بينما لا يكاد يجدي نفعاً كل ما يقوم به المعارضون لأنظمة الحكم الممثلة للاستعمار غير المباشر في المناطق الأخرى، سواء شارك هؤلاء المعارضون فيما هو مباح من الفعل السياسي، أو مارسوا العنف يأساً وإحباطاً.

يضاف إلى ذلك أن عودة الاستعمار المباشر حققت للبعض أمنية طال انتظارها ألا وهي فتح باب للجهاد كان مغلقاً، ولم يتيسر فيما مضي إلا في حالات قليلة كما حدث أيام الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفييتي، ثم بدرجة أقل وأصعب بكثير في البوسنة والشيشان، أما فلسطين التي يتمني ملايين المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله تحريراً لها من الاستعمار الصهيوني فليست متاحة بفضل حماية النظام الإقليمي (العربي بالدرجة الأولي) للكيان الصهيوني من كل مكان.

منذ أن احتل الأمريكان أفغانستان ثم العراق أوجدوا لآلاف المتعطشين للجهاد والاستشهاد واحداً من أوسع الأبواب، وها هي الساحة العراقية تشتعل لهيباً حارقاً من تحت أقدام الغزاة الأمريكان وحلفائهم، فيما يشبه الاستفتاء الشعبي العام - سني وشيعي - على أن بضاعة أمريكا التي أريد للعراق أن يشكل نموذجاً أولاً في تقبلها ومن ثم ترويجها غير مرغوب فيها، وليس ذلك من باب إنكار الجميل أو عدم التقدير؛ وإنما من باب فهم عميق لما تحمله الدبابة الأمريكية لهذا الشعب وللأمة العربية والإسلامية من ورائه، إنها لا تحمل خيراً على الإطلاق.

يبدو بأن السحر قد بطل في أعين العراقيين كما بطل من قبل في أعين الأفغان، وانكشفت حقيقة الشرق الأوسط الجديد والكبير الذي تريده أمريكا لسكان هذه المنطقة، فثار أهل العراق انطلاقاً من الفلوجة والنجف، وصرخوا صرخة دوت في أقطار المعمورة: اغربوا عن وجوهنا أيها الأوغاد.

أستاذ زائر، قسم الدراسات الأفريقية والآسيوية، جامعة كيوتو ـ اليابان

ومدير معهد الفكر السياسي الإسلامي في لندن ـ بريطانيا

والمحاضر بمعهد ماركفيلد للدراسات العليا بليستر ـ بريطانيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت