وإخوانهم القرامطة المجوس هم الذين قتلوا الحجاج في حرم الله تعالى يوم التروية ، وردموا بجثثهم بئر زمزم، واقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه معهم ، وخطب رأسهم أبو طاهر القرمطي المجوسي على باب الكعبة مدعيا الربوبية ، مستهزئا بسورة الفيل ، سائلا عن الطير الأبابيل ، عليه من الله ما يستحق.
ونصير الدين الطوسي والمؤيد ابن العلقمي سهّلا للتتر غزو بغداد والقضاء على الخلافة العباسية في مؤامرة قذرة حفظها التاريخ للباطنيين، والصفويون المجوس استعانوا بأعدائهم الرومان ضد خلافة بني عثمان ، وكانوا من أهم الأسباب التي حالت دون فتح العثمانيين لأوربة الغربية ؛ إذ وقفت جيوش بني عثمان على أبواب فينا بسببهم ، وللفرس المجوس وأتباعهم من الباطنيين العرب صولات وجولات وخيانات أيام الاستعمار الغربي لبلاد أهل الإسلام ، ولا زال كيدهم ومكرهم بأهل الإسلام إلى يومنا هذا ، وظهر لكل الناس في الحملة الاستعمارية الإنجيلية الجديدة دور الفرس في إسقاط العراق وبلاد الأفغان تحت أقدام الاحتلال ، ومفاخرتهم بذلك وإعلانه على الملأ دون حياء ولا مواربة ، ومن ثم عملوا من الجرائم البشعة بأهل الإسلام ما هاب المحتل الصائل أن يعمل مثله ، فهذه حال الفرس المجوس مع المسلمين .
وأما الرومان فقد سيروا للمشرق المسلم خلال مئتي سنة ثماني حملات صليبية كبرى ، وقضوا على الإسلام في الأندلس، وأبادوا المسلمين فيها ، ونصَّروا من سلم من الإبادة والتهجير وعقب سقوط الخلافة العثمانية انتهبوا أمصار المسلمين ، وقسموها بينهم فيما عُرف بالاستعمار والانتداب الأجنبي، وما خرجوا منها إلا وقد سيطروا عليها سياسيا وعسكريا واقتصاديا ، ولا زال هذا دأبهم إلى يومنا هذا.
تلك كانت أبرز العناوين في علاقة المسلمين بالفرس وبالروم وأهم الملامح من تاريخ الصراع الروماني الفارسي الذي يوشك أن يندلع من جديد على أراضي المسلمين ؛ ليكون حطبه بلاد أهل الإسلام وأبناءهم ومقدراتهم ، كما كان العرب في جاهليتهم حطبا لحروب فارس والروم.
حفظ الله بلاد المسلمين من كل سو ومكروه، وأدار الدائرة على أعدائهم ، إنه على كل شيء قدير
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله - أيها المسلمون - وأطيعوه ، واشكروا نعمه ولا تكفروه: (( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ ) ) (الزمر: 65،66) .
أيها الناس: في كل أمة من الأمم ، وفي كل جنس من أجناس البشر أبرار وفجار ، وخيار وأشرار، وكما كان في العرب أبو جهل وأبو لهب كان في الفرس وفي الروم كفار ككفار العرب، وكما كان في العرب مؤمنون صالحون كان في الفرس والروم مؤمنون صالحون، يتقدمهم في الإيمان والهجرة والصلاح: سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، اللذان سبقا إلى الإسلام قبل عزِّ المسلمين ، وقبل ذلة الروم وفارس، فرضي الله عن سلمان وعن صهيب.
بيد أن الدولة الفارسية المستقوية في هذا العصر قد قدمت عصبيتها لعرقها على إسلامها، ولا زالت تفاخر بفارسيتها على لغة القرآن، وتسعى جاهدة لإعادة الأمجاد الفارسية التي قضى عليها الإسلام ، ويكفي فيهم أنهم يفاخرون بالمجوسي الذي قتل عمر رضي الله عنه، ويعدونه من شهدائهم وهو لم يدخل في الإسلام ، ولم يسجد سجدة واحدة لله تعالى. ولا زالوا يزرون بالصحابة رضي الله عنهم ويكفرونهم ويلعنونهم ، وأشد ما تكون نقمتهم على عمر وسعد بن أبي وقاص؛ لأن فتح فارس، وإطفاء النار التي كانوا يعبدها أجدادهم إنما كان في خلافة عمر، بقيادة سعد، رضي الله عن عمر وعن سعد وعن الصحابة أجمعين.وقد تواردت أخبار مذابح جماعية في العراق لكل من كان اسمه عمر ولو كان فاسقا أو زنديقا فضلا عن أن يكون مسلما صالحا.
وإذا كانت قبائل العرب في الجاهلية وقودا لحروب فارس والروم ؛ فإن التاريخ يعيد نفسه في الأحداث المعاصرة؛ إذ أضحت بلاد العرب والمسلمين موقع تصارع وتنافس بين القوتين الفارسية الباطنية، والرومانية الإنجيلية الصهيونية.
وليعلم من اختاروا المذاهب الباطنية من أبناء العرب، وانضووا تحت لواء الأمة المجوسية، وكان ولاؤهم لها أعظم من ولائهم لدولهم ، ليعلموا أن مذهب المجوس يقوم على العنصرية للعرق والجنس فلا مكان لهم فيه ، ومهما قدموا للفرس فلن يحظوا عندهم بشيء؛ لأن أصولهم ليست فارسية، إنْ هم إلا أجراء وعمال ينفذون المخططات الفارسية فحسب ثم يُلفظون كما لُفظت قبائل العرب المنضوية في الجاهلية القديمة تحت اللواء الفارسي ، بل إن في عقائد الفرس الجدد أنهم متى تمكنوا أبادوا غير جنسهم ممن هم يدينون بدينهم ، ويتمذهبون بمذهبهم الباطني ، فاتباع المذهب لا يلغي العصبية، ولا سيما إن كان العرق عربيا ، والعرق عندهم فوق الدين.