فهرس الكتاب

الصفحة 7886 من 27364

إن مما أقره أهل العلم في جهاد الكفار أنهم يرون قتالهم مع البر والفاجر لا يمنع فجور المسلم وفسقه من أن يقاتل معهم , إذا كان العدو كافراً بل حتى لو كان المسلمون المجاهدون أصحاب بدعة غير مكفرة لجاز أو وجب قتال الكفار معهم وبخاصة إذا كان القتال قتال دفع وصد للكفار عن ديار المسلمين ، ولم يقل أحد من أهل العلم بأنه قتال فتنة ؛ لأن قتال الفتنة هذا الذي يكون بين فئتين من المسلمين أما القتال بين الكفار وبين المسلمين فلم يقل أحد من أهل العلم بأنه فتنة ولو كان الصف المسلم متلبساً ببدع غير مكفرة أو فسوق أو أخطاء ، بل يجب والحالة هذه مناصحتهم فيما هم عليه من أخطاء فإن استجابوا فالحمد لله وإن لم يستجيبوا لسبب أو آخر فلا يكون هذا مبررا لاعتزالهم فضلاً عن التنفير منهم أو التحذير من دعمهم أو نصرتهم ، لأن في تخذيلهم أو التخلي عن نصرتهم إعانة ومظاهرة غير مباشرة للعدو الكافر الصائل , وتوهين للصف المسلم وإخفاق له مما قد يقود إلى انتصار الكفار وتمكينهم من بلدان المسلمين ؛ وحينئذ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة . فإذا تقرر هذا مع أهل البدع ، فكيف والحال عند المجاهدين السنة في العراق أنهم ملتزمون بمنهج أهل السنة الجماعة ؟

والمقصود أن يتقي الله عز وجل هؤلاء المخذلون للمجاهدين والمنفرون عن جهاد الكفار بحجة أخطاء المجاهدين أو تسرعهم ، وبما أن سوق الجهاد قد قام بين المسلمين وأعدائهم الكفرة فليس أمام المسلم إلا أن يتولى إخوانه الذين يجاهدون الكفرة الغزاة ولو كان يرى أنهم مخطئون ما دام أن هذا الخطأ لم يخرجهم من الإسلام .

أما أنه ـ لا قدر الله تعالى ـ يضع نفسه في خندق المخذلين لهم المضعفين لشوكتهم ، فما أقرب هذا الخندق من خندق الكفرة المعتدين ؛ لأن فرحهم بذلك سيكون شديداً ،

ويكفي بفرح الكفار وسرورهم بهذه المواقف المخذلة مقتاً وشناعةً ونكراً , فإن المتعين على المسلم أن يقوم بما يغيظ الكفار ويحزنهم لا بما يفرحهم ويسرهم ؛ قال تعالى: (( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ) (المائدة: من الآية54) وقال تعالى: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) ) (الفتح:29) .

وقال تعالى: (( وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) ) (التوبة: من الآية120) .

الإيراد الخامس: لا أدري ما هو موقف من يفتي بعدم مشروعية الجهاد في العراق والاستسلام للأمر الواقع وعدم مدافعته .. لا أدري ما موقفه فيما لو غزت أمريكا بلاد الحرمين - لا قدر الله عز وجل - ونصبت فيها أحد عملائها حاكما على المسلمين فهل يرى الاستسلام لذلك والرضى به وعدم مقاومته أم أنه يرى جهادهم ودفعهم قدر الإمكان ؟

فإن كان الجواب بالاستسلام والرضى بالواقع فهو الخزي والعار والشنار وإن كان الجواب هو الجهاد والدفع فقد وقع في التناقض والاختلاف في تطبيق المعايير والتفريق بين المتماثلين إذ ما الفرق بين بلاد الحرمين وبلاد الرافدين أليس كل منهما أرضا من بلاد المسلمين ؟

وأختم هذه الرسالة بتذكير نفسي وتذكير الشيخ العبيكان بضرورة مراجعة النفس ومحاسبتها والحذر من الأهواء الخفية التي قد تخفى على صاحبها فيظن أنه متجرد للحق فتدفعه لمثل هذه الآراء الشاذة وكما أخبر المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه فإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار وإن سلف هذه الأمة وخيارها كانوا يخافون على أنفسهم من النفاق والفتنة على ما وقر في قلوبهم من الإيمان و مجانبتهم لأسباب النفاق وذرائعه وتحريهم للحق والصواب وطلبهم له من مصادره الأصيلة كما أطلب منه الوقوف على تلك الإيرادات السابقة وغيرها من الإيرادات ومراجعة فتواه وعرضها على ميزان الكتاب والسنة بفهم خيار الأمة والتراجع عنها علنا إبراء لذمته أمام الله عز وجل ، أسأل الله عز وجل أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويعز جنده كما أسأله سبحانه أي يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيراً .

[1] الاختيارات الفقهية ص 447

2 الاختيارات الفقهية ص 309، 310

[3] الفتاوى الكبرى 4/608

[4] الفروسية لابن القيم ص 187

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت