فهرس الكتاب
وطيلة أكثر من ثلاثة عشر عاماً لم نسمع أن دولة عربية واحدة تجاوزت الحدود في هذا المجال، أو ضُبطت لها صفقة صواريخ متطورة، أو حاولت امتلاك أحد أسلحة الردع الشامل.
أما بالنسبة للقدرة على استخدام القوة المتاحة عسكرياً أو سياسياً؛ فذاك من مواطن الضعف البارزة عربياً وإسلامياً، نتيجة الفوضى الحادثة في منظومة الأهداف الاستراتيجية للنظام، والرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان له عبارة معروفة، يقول: «إن أمن أي دولة يتوقف على عزمها على استخدام القوة أكثر مما يتوقف على رغبتها في التفاوض» . ونضرب مثالين على ذلك بدولتين إسلاميتين:
فباكستان تملك قوة ردع هائلة، وصناعة عسكرية متطورة، ولكنها تحولت بين يدي نظام برويز مشرف إلى عامل ضعف وانهزام، وصرنا أمام حالة سياسية فريدة من نوعها: نظام باكستان ينهزم في مواجهة الضغط عليه لامتلاكه السلاح النووي؛ بدلاً من أن يضغط هو بالسلاح نفسه لتحقيق مطالبه وتخفيف الضغوط! وفي برنامج وثائقي قدمته البي بي سي عن إرهاصات حرب أمريكا على أفغانستان؛ صرح مسؤولون أمريكيون بارزون: أن أربعة ـ فقط ـ من الضباط الكبار في الجيش الباكستاني كانوا سيتسببون في إخفاق ذريع لخطة بوش لو أصروا على موقفهم الرافض لتقديم الدعم لقواته العسكرية، ولم تكن أمريكا تملك في مواجهة باكستان أكثر من تفعيل الحصار الذي تفرضه عليها أصلاً منذ التفجيرات النووية. والكيان المحاصر يتحتم عليه البحث عن مخرج لفك حصاره، وليس البحث عن جحر يفاقم أزمته! وهذا الفهم البسيط لهذه الإشكالية يغيب عن دولة نووية، ولكن تستوعبه حركة مقاومة مثل حماس؛ حيث يتصرف قادتها بناء على حقيقة مهمة، وهي أن العدو قد فقد كل وسائل الضغط في مواجهتهم، ومن ثَمَّ لا مسوِّغ للانكماش.
وفي المقابل.. فإن نظام صدام حسين الذي كان قد فقد أسباب قوته؛ يجاهر باستخدام القوة، ويهدد بدحر الأعداء وقهر المعتدين، في حين تبين لاحقاً أن صدام يعجز حتى عن مجرد الذود عن ولديه، فصدام كان يهدد بقوة لا يملكها، ومشرف كان يملك قوة لا يستخدمها، وبقية الدول الإسلامية حالهم بين هذا وذاك!
ثانياً: الشعوب الإسلامية:
كانت الحكومات والحركات والتنظيمات تمارس من قبل أدوارها في آفاق بعيدة نوعاً ما عن الاهتمامات الشعبية اليومية، ولكن اليوم تغير الحال، وتدنت السُّقف حتى لامست الرؤوس، ولم يعد هناك مجال للحركة دون استئذان، ولكن الشعوب لا تبالي، وهذا يعني أن جهود أدلجة الفساد والفسق والفواحش من قِبَل علمانييِِ النظام والفوضى؛ قد لاقت نجاحاً كبيراً في تشويه الشخصية الإسلامية، وتحولت المأساة الإسلامية إلى خبر يومي متكرر لا تتغير فيه إلا الأسماء والأرقام، وصارت العقلية الجماهيرية تنتعش يسيراً ببعض الدماء الرطبة، ولا تشعر بأطنان الدماء اليابسة، تتفاعل بحرقة مع مشهد الدرة، ثم لا تتأثر بمئات الدر التي يهراق دمها يومياً، تثور وتغضب من زيارة شارون للأقصى، ثم لا تشعر بفتح شارون باب الزيارة أمام مئات من اليهود، يقول بعض الناس إن ثورة الجماهير في وقتنا الحالي ربما تكون علامة مرضية أكثر منها صحية. والحال هكذا، حيث الثورة لا تعني إفاقة بقدر ما تعني نجاح وسائل الإعلام في استثارة المشاعر.
والحاصل أن قدرة الشعوب على حمل الهمّ الإسلامي لا تعدو ـ آنياً ـ كونها قدرة تشجيعية تفتقر إلى من يطورها ويوجهها؛ بما يعني أن الشعوب لا تسابق، لكنها ميدان للسباق، وهذه حقيقة مهمة ومؤثرة.
ثالثاً: التيارات الإسلامية:
مَرَّ بنا أن الأمريكيين قدّموا رؤية جديدة للاستعمار، اختزلت مراحله الزمنية بصورة غير مسبوقة، ومع تداول احتمالات التفكيك والتقسيم لدول إسلامية كبرى؛ فإن مواجهة هذا الخطر برؤى فكرية صيغت قبل عشرات السنين؛ يُعَدُّ تقصيراً في حق الدين والأمة، والعبء الأكبر في ذلك يقع على عاتق الإسلاميين، والمطلوب صياغة فكر استباقي في مقابل الفكر الارتدادي الذي تروِّجه تيارات مختلفة، فكر يكون من أهم ملامحه استيعاب جميع المتغيرات، وأهمها أنه يواجه استعماراً متعدد المراحل، ومنها قدرته على الاستفادة من أخطاء الماضي في مواجهة الاستعمار، والتعلم من تجربة سرقة علمانيي مرحلة الاستقلال لمجهودات الحركة الإسلامية.
هذا الفكر ينبغي أن يقدم للأمة رؤية موحدة، وخيارات متعددة، تستبق الأحداث وتخرج من أسر ردود الأفعال، وتتجهز لما هو آت؛ حتى نتجاوز مرحلة الصدمة التي يتعرض لها الإسلاميون في كل هجمة من قِبَل الأعداء.