فهرس الكتاب

الصفحة 8055 من 27364

إن ما تود الولايات المتحدة الأمريكية الآن تحقيقه هو تجاوز مرحلة خلق النخب التي تحدث منذ مائة عام أو يزيد عبر التعليم وبرامج التدريب وطرح الرؤى والأفكار واختراق المجتمع المدني، إلى أن يصبح هذا المد الاستهلاكي عامّا وجماهيريا.

وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للمرأة العربية في المستقبل هو إبعادها عن الثقافة الإسلامية، في الطبقات الوسطى والعليا، ووضع هؤلاء النساء في مواقع صنع القرار فتتم سرقة واختطاف رؤى التحرير والمساواة للمرأة لتخرج خارج إطار النضال الديمقراطي، وهذا حدث بالفعل في بعض البلدان ومنها مصر، فقد تم تأميم الحركة النسائية بالمعنى الذي كان سائدا في الستينيات والسبعينيات، والتي كانت ذات توجه يساري لكنه كان وطنيا وعروبيا.

أما الآن، فالاتجاه إلى الفكر والخيال النسوي، وفصل جهد تمكين النساء عن معركة الديمقراطية الواسعة حتى يظن الناظر إلى الخريطة العربية أن النساء قد حققن مكاسب وهو ليس صحيحا خاصة حين تتولى المناصب القيادية نساء من نفس النخبة السائدة المتأسسة على روابط قبلية أو فئوية أو عرقية أو طبقية.

إن إعادة تشكيل النخبة وإعادة تشكيل الثقافة عبر تهميش التعليم الوطني العام والاحتفاء بالتعليم الأجنبي في المراحل ما قبل الجامعية والجامعية: مسألة حاسمة في خلق أجيال مستفيدة من الاندماج في دوائر الأعمال الأجنبية بأوطاننا وتوسيع هامش الفئات التي تحمل هوية هجينة ملتبسة، وحين يتم الدفع بها إلى مواقع صنع القرار لن تكون أولوياتها وطنية، وقضية المرأة لا تنفك عن كل هذه التحولات.

والجديد ليس اختراعا لمفهوم أو لقضية، بل تحويل المسارات وتغيير الأشكال والتكتيكات، وهنا يجب أن نتابع أوضاعنا جيدا ونرصد تحولات المجتمع والثقافة؛ لأنها أخطر من تصريحات السياسة أو خطب الأنظمة في المناسبات المختلفة.

التغيير من أسفل وضرب البنية التحتية الاجتماعية على هذا النطاق هو الجديد والمتجدد.

* كيف تخرج المرأة العربية من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل في كل ما يدور حولنا من أحداث؟

-"التسلط الذكوري"أحيانا يكون ضاغطا جدّا جدّا، لكنه - أحيانا - أسطورة نبكي بسببها دون أن نرى مصادر القوة في بنيتنا التقليدية الأسرية. أعتقد أنه في ظل أكثر العلاقات استبدادا مع الذكور في الأسرة أو الدائرة الاجتماعية يمكن التماس مسارات للتمكين وللفعل، بالنسبة للسيدات العاديّات مثلا.

السياسة ليست الوصول إلى سدة الحكم، بل هي المشاركة في التأثير على توزيع الموارد المادية والمعنوية في المجتمع بشكل يسمح بعدالة أوسع، في تقاسم السلطة، والثروة. وعلى ذلك فإن كل امرأة يمكنها أن تؤثر في تلك المعادلة، لكننا إما أن نحبس أنفسنا في البيوت، أو نتطلع لرئاسة الوزراء!

في حين أن الفعل المدني الأهلي اليومي قد يكون أكثر تأثيرا وأوسع مدى من الانضمام إلى أي من الأحزاب أو الخروج إلى الترشيح في الانتخابات على أهمية كل هذه الأشكال.

وبالنسبة للأم، من المفيد أن تعلم أنها يمكن أن تكون مسئولة ومشاركة في المجتمع، بل ومؤثرة في السياسات العامة من خلال"الحضور المستمر"في حياة أسرتها، والخروج لمتابعة مصالح تلك الأسرة.

ويمكن لي التمثيل هنا بالتعليم والصحة. في مدرسة أولادي مجلس للآباء، وهو غير يوم لقاء الآباء بالمدرسين، ورغم أن المرأة المصرية في الطبقة الوسطى يمكنها الحركة والمشاركة فإننا يوم الاجتماع الأول لمجلس الآباء في مدرسة بها ألف تلميذ لم يحضر سوى عشرة، منهم ثلاث نساء. وقد استوقفني هذا الأمر؛ فقد كنت دائما أدعو إلى المشاركة السياسية القوية للمرأة والتي أعتقد أنها واجب شرعي وليس ترفا، ولي في ذلك كتابات عديدة شرعية وسياسية، لكنني وجدت نفسي في موقف أتساءل فيه: كيف يمكن أن تشارك المرأة في الجدل الديمقراطي وفي الشأن العام السياسي وفي الدفاع عن حقوقها وحقوق الإنسان وفي المطالبة بتوزيع أكثر عدلا للسلطة وللثروة إذا كانت لا تخرج أصلا لمتابعة السياسة التعليمية في داخل مدرسة أولادها؟

ولا أظن أنه في أي مجتمع ذكوري سيمنعها أحد من ذلك. لكن المشكلة أن المرأة لا تريد أن تكون أكثر فاعلية وأكثر مسئولية في أحيان كثيرة لأسباب مختلفة، منها ما هو مرتبط في بعض المجتمعات العربية بالرفاهة الزائدة، ومنها ما هو مرتبط في مجتمعات أخرى بالفقر، ومنها ما هو قرين السلبية واستمراء دور الضحية المقهورة.

دعوني أؤكد لكم أنني قابلت كثيرا من النساء هن شعلة من النشاط والفعل والمشاركة، رغم أنهن أميات لا يقرأن ولا يكتبن لكنهن على علم باحتياجات المجتمع الصغير الذي يمارسن فيه دورا فاعلا، كما أنهن يدركن الأمومة بشكل إيجابي ونشيط.

إن المرأة في أشد أوضاع التسلط الذكوري قادرة على توسعة هامش الحرية والفعل والتواصل مع ثقافتها من أجل التغيير واستكشاف مواطن الضعف في تلك البنى الذكورية والضغط عليها، وأزعم أن هناك أفقا دائما للتغيير، وأزعم أيضا أن الله أرحم بكل امرأة من أن يجعلها عاجزة تماما عن أي فعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت