لكن المهم أن تنظر كل واحدة إلى مساحات الممكن وتوسع هامشها بدلا من أن تتطلع إلى المستحيل وتظل تتباكى على أنها مقهورة، وأنا أعتقد أن تغيير الخطاب يجب أن يتأسس على ربط اليومي بالمدني، وإتاحة الفرصة لأشكال مختلفة من الفعل وعدم التعميم في تجارب التمكين الفردي والجماعي وتبادل التجارب في نفس الوقت.
ويمكن تبادل الأفكار ونشرها عبر الشبكة، أو الاندراج في برنامج للتعليم المستمر، أو مراسلة"إسلام أون لاين.نت"في قضايا تهمك وجمع المعلومات من على الشبكة في هذا المجال أو الانضمام إلى ساحة من ساحات الحوار الثقافي حول قضية ما.
هناك آفاق كثيرة وهناك دائما.. الإمكانية. دعونا نفكر كيف يمكن أن نتحرك خطوة ولو صغيرة إلى الأمام، وكيف يمكن أن نساعد على رؤية بصيص أمل.
* الغرب واليهود يريدون أن يشاهدوا المرأة العربية والمسلمة تمشي في الشارع شبه عارية - إن لم نقل: عارية - أهذا هو الإصلاح الذي يريدون؟.
-لا شك أن هناك اختلافا في منظومة القيم، والعري جزء من الحرية الفردية في الثقافة الغربية، رغم أنه عندهم أيضا له مساحات وحدود، وهناك تقنين لحقوق الجسد أو - على الأقل - مسيرة من السعي لتوسعة التقنينات.
الأطروحة الغربية تقوم على أولوية الوجود في المجال العام كمؤشر على الفاعلية والقوة، في حين أننا في تصورنا الإسلامي نعتقد أن المجال العام المدني وأيضا المجال الاجتماعي الأسري لا يقل أهمية، وأنه أيضا مساحة حرة حتى إن كان فيها في جانبٍ مساواة، وفي جانب آخر توزيع لبعض (وأكرر: بعض) الأدوار.
حين جاء رسول ا صلى الله عليه وسلم برسالة هي رحمة للعالمين لم تكن قريش يعجبها أن تخرج المرأة، وكان الدور الأسري للمرأة القرشية هو الدور الأول وربما الوحيد، ونذكر أن الموسرات كن يستأجرن الرجال من أجل المتاجرة في أموالهن كما فعلت خديجة رضي الله عنها، لكن المرأة في المدينة كانت تشارك في المجال العام زراعة وتجارة، وكن متواجدات بالرأي وبالحضور في خارج أدوارهن الأسرية، رغم أنهن كن أمهات رائعات ـ لكن زوجات قويات.
التحول الاجتماعي الذي أدى إليه النهج النبوي لم يدفع باتجاه نموذج المرأة القرشية أو المكية، بل دفع باتجاه نموذج المرأة في المدينة، وإن شئت فعد إلى سيرة أم سليم التي هي أم أنس بن مالك، تر نموذجا فريدا لامرأة قوية ومؤمنة صلبة كان رسول ا صلى الله عليه وسلم يحب زيارة بيتها، بل ودعوة الصحابة إليه للطعام، ويحتفي بمشاركتها في مجالس النساء في المسجد تسأل وإن أحرجت أسئلتها عائشة!
لم يقل أحد حينئذ إن الخروج يعني السفور، وهذه النقلة تمت مصادرتها تاريخيا حين مُنعت النساء من المساجد في المرحلة الأخيرة من عصر الخلفاء، على اختلاف بعدها تاريخيّا في درجة مشاركة المرأة في المجال العام والسياسي والاقتصادي في المجتمعات الإسلامية بعد الفتوح بحسب الثقافة الأصلية للبلدان.
هذه المقدمة ضرورية حتى لا يكون رد فعلنا تجاه"تحرير المرأة"الغربي والهجمة الأمريكية على المنطقة على هذا المسار هو أن نخون تصوراتنا الإسلامية، ونخون الله ورسوله بالتضييق على النساء بزعم أن أي مساحة للفعل توافق المخطط الأمريكي.
إن سد الذرائع لا يجب أن يؤدي إلى سد الشرائع. ويعنيني أكثر من الذي تريده أمريكا: ماذا نريد نحن؟ في زمن خرجت فيه المرأة للتعليم والعمل ولديها مساحات من الحرية، هل ما يقدمه الخطاب الإسلامي هو مشروع يحترم المرأة - أمّا وفتاة وامرأة عاملة وناشطة في المجتمع - ويدفعها إلى أن تدافع لا عن حريتها فقط وإنما عن حرية الأوطان، وحرية أبنائها السياسية في المستقبل واحترام حقوقهم في فرص متكافئة في التعليم والعمل من أجل مستقبل أفضل لأغلبية الشعوب وليس لأقليات فيها؟
هل تأتي قضية الكرامة والحماية من التمييز والتحرش وضمان الحقوق النقابية والمكتسبات القانونية للأمهات العاملات وللطالبات وللنساء العاملات في المجال المدني والأهلي على رأس قائمة الهموم، أم ندور فقط حول قضية السفور والحجاب، وكأن الحجاب هو قرين الحجب لأن الخروج هو قرين السفور والانحلال؟!
القضايا لا تعالج هكذا، وأخشى ما أخشاه أن تكون الهجمة الأمريكية معوقا للتجديد الإسلامي الشرعي المنضبط المستقيم، ويكون رد فعلنا هو غلو وتبسيط، نكون نحن الخاسرين فيه وليس أمريكا، بل أزعم أنه سيحول دون أن نطور مشاريع ناجحة للمقاومة والتعبئة.
خريطة القضايا واسعة، وتعميق التصورات مهمتنا معا، فلنفكر سويّا في كيف نضبط مساحات الحرية حتى لا نرى العري في شوارعنا، ولكن دون أن نختزل فكرة الحرية إلى الجسد. ثم كيف نضبط مساحات الحرية بحرية وبمراهنة على الفطرة السوية داخل نفوس الغالبية كما كان يعلمنا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله؛ لأن الإفراط في استدعاء القانون أو استدعاء الدولة يفتح مجالا لها في مساحات المجتمع فتدخل لتصادر الحرية على جميع المستويات.
وفي عصر العولمة كيف يمكن أن نصوغ رسائل واضحة ومركبة في نفس الوقت تكون أفقا للكرامة للناس فنكتسب الأنصار، ونفتح دوائر لا يمكن أن يفتحها خطاب الإدانة.