الاجتهاد هنا فريضة؛ لأن سياقات المدن وجسور الاتصال لا ينفع معها كثير من طرقنا في التناول. والتحدي هو كيف نستطيع تطوير رؤانا بشكل واثق للتعامل مع تلك المستجدات؟
ربما نحتاج إلى أن نتبادل الأفكار أكثر، فالمسافة لم تعد فارقة لهذه الدرجة؛ لأن قانون المدنية الحديثة يحكم الأمكنة.
* هل الإصلاحات - فيما يخص المرأة الخليجية - هي إصلاحات وهمية ومنساقة لرغبات أمريكا فقط، دون رغبة حقيقية من النظام هناك في إصلاح وضع المرأة؟
-إن وضع المرأة الخليجية لن يتحسن فعلا إلا في ظل تحول ديمقراطي واجتماعي عميق، وأخشى أن بعض الإصلاحات الجزئية قد تستغل لحجب الإصلاح العميق المطلوب في دول الخليج. ولا أقصد فقط الثقافة التي تقوم - حتى الآن - على إقصاء المرأة من المجال العام، بل أقول أيضا: الثقافة الاستهلاكية لمجتمعات نفطية، وهي ثقافة تنذر بأن خروج المرأة من بيتها - غالبا - لن يكون لدعم قضايا العدل الاجتماعي والمشاركة السياسية، بل سيكون في دعم دوائر الأعمال في اقتصاد يزداد ارتباطا باقتصاد السوق العالمية.
أعتقد أن تحريك الماء الراكد في وضع المرأة في الخليج مهم، خاصة أن من الإسلاميين هناك من يقفون ضد حصول المرأة على حقوق سياسية مكفولة لها في الشرع، وليس عندي أي استعداد للمداهنة أو التلطف في هذه المسألة، والحالة الكويتية نموذج في كيف تحولت قضية المرأة إلى ورقة في النزاع السياسي رغم أن الإسلاميين أولى بأن يكونوا هم طليعة التغيير الاجتماعي لصالح المرأة؛ لأن النساء حين لا يجدن خطابا إسلاميّا رشيدا منصفا فإنهن سينتقلن إلى مساحات أخرى تقدم عدالة ومشاركة حتى إن كان الثمن هو التحرر الوطني ذاته، وهذا في أي مجتمع.
لا أحد يستطيع أن يعرف نوايا التغيير، لكننا نستطيع أن نضبط مساراته إذا شئنا أن نشارك بقوة في صياغته بدلا من التساؤل ونحن جلوس نضرب أخماسا في أسداس.
* ما المقصود بتحرير المرأة في مفهومكم؟
-إن الحرية تصور مرتبط بالإطار المرجعي؛ فهي في فكرة التنوير بدأت تحررا للفكر من الكنيسة وليس من الدين، ثم تطورت إلى تحرر من الدين، يكفي أن نقارن هنا بين فكر جون لوك المؤمن وفكر روسو العلماني المتطرف، وفي هذا السياق كان تحرير المرأة - في بداياته - حصولها على حقوقها الاجتماعية والاقتصادية في ظل التحول الرأسمالي الصناعي حيث كانت النساء والأطفال يعانون من ظروف غير إنسانية في داخل الآلة الاقتصادية (وهو ما أنشأ النقد الماركسي للرأسمالية) .
وكانت قيمة المساواة هي الحاكمة، ثم ما لبث الفكر النسوي أن تطور عبر أجيال مختلفة وتفرقت سبله لنجد فيها المتطرف الذي يرى الرجال مصدر الشر والعنف، والنساء مصدر السلام والرحمة، في رؤية أقرب إلى العنصرية النسوية المعادية للرجال، أما الأسرة فمبكرا تفككت بعد أن سحبت الدولة وظائفها، ثم اختلت العلاقات بداخلها لصالح فك الارتباط ما بين الحب والزواج والجنس والإنجاب، ولذلك أبعاد طبية وأبعاد نفسية وأبعاد اقتصادية ليست بعيدة عن صعود ثم هبوط نموذج دولة الرفاهة.
من المهم أن نفهم سياقات فكرة تحرير المرأة وعلاقتها بالاقتصادي والسياسي. ويمكنني بإيجاز أن أقول: إن الحرية عندي مقترنة بالعدل، يتم تسكينها في أبنية اجتماعية تتوازن فيها الحقوق والواجبات، وتبني هذه الوحدات مجتمعا يحترم العدل في المال والشورى في الأمر، وبذلك تنبني علاقة مركبة بين الشخصي والأسري والاجتماعي، والمدني والسياسي، في شكل دوائر متتالية وأيضا متقاطعة، وتوجد منظومة من القيم الأخلاقية على مستويات شتى تضم هذه الدوائر حتى لا تتشظى.
هذا أقرب إلى متن شديد التركيز - على نهج علماء السلف - يحتاج إلى هامش طويل لشرحه، يدخل فيه تفصيل معنى القوامة والاستخلاف والولاية وإنسانية المرأة في علاقتها بأنوثة المرأة وتداخل الأدوار وتفاعل المساحات وتنوع مضمون القيم ودلالتها حين تنتقل من المستوى الفردي إلى المستوى الجمعي وهكذا.
ولكون الإجابات الموجزة في مثل هذه القضايا المركبة عادة تكون مضللة تماما، لا بد من مطالعة - على سبيل المثال - دراسة لي حول القوامة في صفحة (الإسلام وقضايا العصر) على الموقع هنا لتعطيك نموذجا لكيفية تناول المفاهيم واستكشاف مساحتها ثم علاقتها بمفاهيم أخرى في أنساق فكرية وأيديولوجية مختلفة تقاربا أو ربما تنافرا.