د.لينه الحمصي
دكتوراة في الفقه الإسلامي ومقارنة الأديان
في خضم أمواج القنابل والقاذفات الصاروخية الأمريكية والاسرائيلية بالاشتراك مع بعض الدول الأوروبية الموجهة صوب منطقة الشرق الأوسط ، يبرز الحديث عن المشروع الأمريكي الصهيوني المسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير .
هذا المشروع الذي يحمل في ظاهره التقدم والمدنية والرقي والحضارة إلى بلدان الشرق الأوسط ، أو هكذا يراد تصويره ، إلا أنه في باطنه ومن وراء الكواليس يعمل على غزو المنطقة سياسياً وثقافياً واقتصادياً ، وتهديم وتقويض ما تبقى فيها من قيم دينية وأخلاقية ، ليتم بناؤها من جديد على مقاسات لاتتناسب مع هوية المنطقة ولا مع حضارتها ولا مع قيمها ، ولكنها على كل حال تتناسب مع الرؤية الهمجية الاستعمارية ، التي تخطط فيما تخطط لاستعمار المنطقة بكل ما تحتمله كلمة استعمار من احتمالات وأبعاد ، وسلب كل ما يمت إليها بصلة جذرية من تاريخ وحضارة ودين ، ضمن أجندة مخططاتها الواضحة الأهداف التي لاتخفى على كل ذي لب عاقل مبصر ...
فماذا في هذا المشروع الخطير ، الذي قد يفوق أو يضاهي القنابل النووية والصواريخ الذرية في خطرها وشرها ...؟
الحديث عن هذا المشروع يقتضي منا الحديث عن الوجه المخملي ، وعن الوجه الآخر ، الذي يختفي وراء هذا القناع المزيف ...
الوجه المخملي للمشروع ، يتحدث عن مد يد المعونة إلى منطقة الشرق الأوسط التي تصنف ضمن دول العالم الثالث ، أو الدول النامية كما يقال ، من أجل رفع مستواها والسير بها قدماً على سلّم الحضارة ، ويركز هذا المشروع على ضرورة الإصلاح عبر ثلاثة محاور ، محور الحرية ، وضرورة نشر الديمقراطية ، ومحور المعرفة ، وضرورة إجراء الإصلاح في المجال التعليمي وتغيير المناهج التعليمية ، ومحور تمكين النساء ، وأهمية تعزيز مكانة المرأة في المجتمع ، وتمكينها من أداء دورها في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
مطالب قد تبدو للوهلة الأولى أن القصد منها حسن النية في مساعدة منطقة الشرق الأوسط ، إلا أن الحقيقة المختفية وراء هذا الوجه المخملي تفضح تلك النوايا الخبيثة ...
فمقولة الديمقراطية التي تريد أمريكا وربيبتها الصهيونية نشرها في بلاد الشرق الأوسط تخالف السياسة الفعلية التي تتبعها أمريكا في تلك المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية ، والمتمثلة في دعم الأنظمة الدكتاتورية المستبدة ، ومن ثم ضربها فيما بعد بحجة أنها دكتاتورية ، لمقاصد تبيّتها أمريكا ضمن سياستها البعيدة المدى أو القصيرة المدى ، في نهب موارد بلدان المنطقة وشعوبها ، والأمر الذي يثير الغرابة هو اعتراف بعض الكتاب الأمريكيين منهم الكاتب الأمريكي ( كورنل وست ) بزيف الديمقراطية الأمريكية ، وهذا الاعتراف وإن جاء متأخراً ، إلا أن قيمته مستمدة من كونه اعترافاً من الداخل الأمريكي ، الذي باتت تحكمه قوانين السيطرة والمال ومصالح الشركات الكبرى والبيوتات المالية الضخمة ، ومصالح الصهيونية العالمية في نهاية المطاف .
ويرى هؤلاء الكتّاب أن العبارة التي صرّح بها مؤخراً الرئيس جورج دبليو بوش « إما أن تكون معنا أو تكون ضدنا » لم تكن مجرد قول أو زلة لسان ، وإنما هي نتيجة للفكر الذي أوجدها وصاغها وحوّلها إلى منهج عمل للإدارة الأمريكية ، الهدف من ورائها سلب حريات الشعوب الأخرى ، طالما أن هذه الشعوب الأخرى تخالف السياسة الأمريكية التي لاتخطئ ولا تخيب في الرؤى أو المنهج ، حسب رأيه طبعاً .
وبالتالي تم تكوين إيديولوجية أمريكية جديدة غلافها الديمقراطية وفحوى محتواها الديكتاتورية ، تعمل على تصدير الفوضى والدمار ومئات الأطنان من القنابل والصواريخ وآلاف القتلى والجرحى والمشردين إلى تلك الشعوب الضعيفة المنكوبة ، التي لم يكن لها من ذنب إلا مخالفتها للمفاهيم الأمريكية ..
أما الحديث عن تطوير المناهج ، فالواقع يبرز أن الهدف الأمريكي الحقيقي من هذه الكلمة هو تغيير المناهج لاتطويرها ، والقصد من هذا أولاً وأخيراً هو حذف مقاطع من القرآن الكريم تتعلق بالجهاد الإسلامي ضد المستعمرين المعتدين ، بحجة أن هذا إرهاب ، إضافة إلى إلغاء أحاديث نبوية وحقائق تاريخية للحجة ذاتها ، بل لقد تعدى الأمر في بعض الدول العربية التي انساقت لهذا المشروع ، أن أصبحت تدرّس قواعد اللغة العربية بالانكليزية ، لأن اللغة العربية التي نزل بها القرآن تعلم الإرهاب .
ولا تغيب عن أذهاننا المقولات الفكرية التي تتبناها السياسة الأمريكية الحالية ، والتي تتحدث ، حسب ما سماه هنتنغتون ، عن « صراع الحضارات » ، والتي تخلص إلى نتيجة هامة ، تتلخص في أن الحضارة الأمريكية هي الحضارة القوية ، المخوّل لها - بناء على هذه المقولة - أن تهصر كل الحضارات وتدحرها ، أو في أقل الدرجات أن تقولبها على قالب يتناسب مع الفكر الأمريكي والرؤية الأمريكية والرغبة الأمريكية .