ويقول الدكتور محمد سعيد: إن المطالبة بالإصلاح، وهي القضية المدرجة على جدول المناقشات تثير كثيرًا من أشكال الخلاف حولها من بعض الدول، لأن هذه الدول ترى أنه في ظل مواكبتها للإصلاح والسعي إليه أمر قد يضعها في أزمة داخلية، نتيجة لعدم رغبتها في إحداث هذا الإصلاح؛ فضلاً عن أنها لو تخلفت عن تحقيق هذا الإصلاح، فإنها ستجد نفسها خارج هذه المنظومة الإصلاحية، وهذا يؤكد أنه لا بد من النظر إلى الإصلاح على أنه قضية أساسية ينبغي الشروع فيها، دون أن تكون هناك إصلاحات شكلية تتوافق مع المطالب الخارجية، أو بالأحرى الضغوط الأمريكية، بهدف تطويع المنطقة لمصلحة الأغراض الأمريكية.
الشماعة الأمريكية
ومن جانبه يرى السفير وفاء حجازي أن يتم جعل الضغوط الأمريكية"شماعة"تعلق عليها القرارات العربية الضعيفة، والحقيقة كما يعتقدها أن العالم العربي في حالة لامبالاة نتيجة لغياب الإرادة لمناقشة القضايا المهمة والعاجلة، والتي ينبغي أن تفرض نفسها على"الأجندة"العربية، ويحددها في قضية الإصلاحات الداخلية والصراع العربي ـ الإسرائيلي.
لذلك يعتقد أنه مع غياب قرارات عملية في هاتين القضيتين، يمكن أن تتدهور الأوضاع العربية، ويتسبب في فشل آخر، وربما يكون جديدًا من نوعه في المواقف العربية، التي أصبحت -على حد قوله- لا تتسم بالوضوح، وتقتصر على بيانات الشجب والاستنكار، فضلاً عن عدم تنفيذ القرارات.
ويرى أن القمة العربية إذا لم تخرج بقرارات قوية بدعم حقيقي للمقاومة الفلسطينية والعراقية بكافة الأشكال ، فستكون فاشلة في ظل ممارسات عدائية يومية على الشعب الفلسطيني، وارتكاب شارون لمذابح واسعة للشعب الفلسطيني على نطاق كبير، فضلاً عن ضرورة التأكيد على أن إسرائيل دولة معتدية، تلفظ السلام ، وتضرب بالقرارات الدولية عرض الحائط .
والقضية الثانية التي يرى ضرورة في الخروج بتوصيات ضرورية بشأنها هي الإصلاحات الداخلية، والتي يطالب بأن تكون هناك إصلاحات داخلية حقيقية، في أن يكون للشعب حقه في الديمقراطية وتشكيل الأحزاب وإطلاق الحريات.
ومع وجود مخاوف من عدم مناقشة القضيتين السابقتين والخروج بتوصيات واضحة بشأنها؛ يحذر السفير حجازي من خطورة غياب القضية التي تجمع الدول العربية، وتوحد موقفها في مواجهة التحديات الراهنة، وأن يتم الاستغراق في مناقشة مبادرة الشرق الأوسط الكبير، في الوقت الذي لم يعلن فيه العرب رفضهم الواضح والمطلق لهذه المبادرة، والتأكيد للولايات المتحدة على أن لديهم نظامهم الأساسي الذي يقوم على أسس متينة، يعبر عن خصائص المنطقة العربية، وقوامها الشخصية العربية، دون الدخول في نظام إقليمي مع إسرائيل، حتى لا يتعرض العرب لمزيد من الشتات والضياع، أكثر مما هو حاصل حاليًا! .
ويصف السفير حجازي .. المأزق العربي الراهن، بأنه وقت المواقف الضائعة، وينذر بخطورة تفكيك الجامعة العربية، وهو البيت الذي عجز فيه العرب عن تسوية خلافاتهم وحل مشاكلهم فيه، حتى فرضت عليهم حلولاً خارجية بدعوى الإصلاح!
انبطاح عربي
الدكتور جمال زهران - رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة قناة السويس- يترجم المشكلات التي تواجه القمة بأنها تعكس"انبطاحًا"عربيًا على المستوى الرسمي، والذي لا يتوقع له تحقيق إصلاح على أي مستوى، ما لم تحقق إصلاحات جوهرية وجذرية قد تتعلق بوجودها في الأساس، في ظل وجود أزمة هيكلية في النظام العربي، حتى أصبح من الصعب بمكان الاتفاق على الحدود الدنيا من الاتفاق، وهو ما يعكس أيضًا فشل النظام العربي، في عدم القدرة على التصدي لجرائم إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، وعدم التوصل إلى صيغة موحدة بصدد الاحتلال الأمريكي للعراق، في الوقت الذي أصبح فيه هذا النظام الرسمي غير قادر على رد الفعل، وهو ما قد يساهم في انفجار القمة، الأمر الذي يعكس مؤشرات عن أن قرارات القمة ستكون هزلية!.
ويرجع د. زهران هذا أيضًا إلى حرص الدول العربية على خطب ود الولايات المتحدة بشكل انفرادي وليس جماعيًا، وحاجة كل دولة عربية إلى جامعة عربية خاصة بها، توفر لها تفصيلات خاصة على مقاسها، وإلا التلويح بتجميد عضوية الجامعة، وهو ما يتطلب ضرورة تحرك مؤسسات العالم العربي بهدف إحداث إصلاح حقيقي وليس الإصلاح الذي يروج له المشروع الأمريكي وترفضه الأنظمة العربية، حيث يهدد وجودها في الأساس.
وهنا يؤكد د. زهران أن تأجيل القمة التي كان مقررًا لها أن تعقد في مارس الماضي كان ورائه سبب حقيقي اكتشفه المراقبون في الضغوط الأمريكية التي مورست لتمرير مبادرة الشرق الأوسط الكبير؛ إضافة إلى ما كان ظاهرًا في عدم تنفيذ الرغبة التونسية في طرح وجهات نظر معينة، وأنها عندما رأت عدم تنفيذها استغلت رئاستها للقمة المقررة، وقامت بإلغاء عقدها في الموعد المحدد له سنويًا.