وإذا أضفنا إلى مفاجأة العراق نتائج استطلاعات الرأي الكثيرة التي أجريت في العالم العربي -حول مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية، وحول نواياها في تحقيق ديمقراطية في المنطقة إذا ما اصطدمت نتائج هذه الديمقراطية (المفترضة) بالمصالح الأمريكية في المنطقة- فسنجد أن هناك بالفعل هاجسا لدى الأمريكيين، يدفعهم للتحرك خطوة في اتجاه الجماعات الإسلامية في المنطقة.
ويبدو للبعض أن هذا التحرك -على تواضعه- هو محاولة أمريكية لفض الاشتباك بين المصالح والمعتقدات. فالولايات المتحدة الأمريكية تعرف سلفا أن هناك دورا عقائديا في الصراع؛ ولا يمكن لها مهما فعلت أن تتغلب عليه أو تحيده؛ كما أن لها مصالح لا يمكنها هي أن تتخلى عنها أو تؤجلها، أو تتركها نهبا للضياع أو المفاجآت. وعليه فلقد طرحت في المؤتمر أفكارا (صدرت عن إسلاميين) من قبيل:"لنترك خلافنا العقائدي جانبا؛ فالإسلاميون لن يتخلوا عن فلسطين، ولكن لنتباحث حول علاقات طبيعية تقوم على الاحترام المتبادل".
وبالطبع فإن مثل هذا الطرح قد لا يعجب البعض في الجانبين، لكنه قدم رؤية مختلفة أو طريقا ثالثا لإمكانية التعايش بين الطرفين في حال وصول الإسلاميين للسلطة، رغم تأزم الموقف في فلسطين، وانحياز الأمريكيين للصهاينة بشكل مستفز للمواطن العادي، وليس فقط الإسلاميين.
تحول المؤتمر إلى جلد ذاتي
برز من خلال المؤتمر أن ثمة تفكيرا عميقا يعتمل في صدور ممثلي التيار الإسلامي المشاركين في المؤتمر. فالغالبية رغم أنها نالت من الولايات المتحدة الأمريكية فإنها رأت أن قراءة متأنية للوضع داخل الجماعات الإسلامية مطلوبة منذ وقت طويل؛ وإن كانت الحاجة إليها اليوم أشد. ولكن بعض ممثلي التيار الإسلامي في بعض الدول حولوا القضية من نقد ذاتي إلى جلد ذاتي؛ والبعض رأى أنه يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية أن تدفع باتجاه التغيير في المنطقة بكل ما أوتيت من قوة؛ والبعض ذهب إلى أن مقرطة المنطقة لن تتم بدون دعم أمريكي.
هواجس وشبهات
ولعل من أبرز الهواجس والشبهات التي أثيرت في المؤتمر هو هاجس تسلم الإسلاميين للسلطة، وما الذي يمكن أن يفعلوه؛ ليس فقط بالنسبة لخصومهم، ولكن في العملية الديمقراطية التي قد تأتي بهم. وهذا الهاجس كان مهما وضروريا أن يجيب عليه الإسلاميون، حتى ولو كان السؤال في غير موضعه؛ ذلك لأن الباحثين والمفكرين الغربيين يرغبون في التعرف على مدى التغير الحاصل في الفكر السياسي عن الجماعات الإسلامية، خصوصا في ظل التطورات التي نشأت على فكر هذه الجماعات من رفض مطلق لفكرة الديمقراطية لقبول مشروط. وهذا يعني أن الغرب -وخصوصا مراكز البحث الأمريكية- كان في حاجة لسماع ما سيقوله ممثلو هذه التيارات عن فكرة إلغائهم للآخر حال وصولهم للسلطة.
ولكن المثير أن هذه المسألة طرحت أكثر من مرة، وعلى لسان أكثر من محاور؛ ولعل البعض أفرط في تشككه، حين أعلن أن هناك مخاوف من قيام الإسلاميين بالقضاء على كل مظاهر الفرح والسرور في المجتمعات العربية إن وصل الإسلاميون للسلطة؛ وهو ما دفع ببعض الإسلاميين للرد بسخرية، قائلا:"لا تخف.. سيكون في الدولة الإسلامية وناسة (أي فرح) ". ولعل من الهواجس الأخرى هاجس المرأة.
والحقيقة أن التيار الشيعي برز كقائد في هذا المحك؛ وتردد السلفيون كثيرا، بل انقسموا في الرأي، بينما رأى أحد ممثلي الإخوان في الكويت أن العائق"بيئي"وليس شرعيًّا. أما التعامل مع غير المسلمين فقد كان قضية بذاتها؛ وإن حاول البعض تقديم رؤية المواطنة كحل، بينما لم يعلن الجميع الترحيب به.
ولعل الأمر الأكثر خشونة في قضية التعامل مع الإسلاميين -من وجهة نظر الأمريكيين- هو قضية الأحزاب السياسية الدينية؛ فهناك خلط كبير يحتاج إلى جهود للتفريق بين الأحزاب السياسية ذات الخلفية الدينية والأحزاب الدينية، ولم ينجح الإسلاميون في فض الاشتباك، وإزالة اللبس.
تركيا.. هل هي التجربة النموذج؟
لقد طرح أحد الباحثين الأمريكيين -الذي شغل منصبا في حكومة كلينتون- كيف دعمت الولايات المتحدة التيار الإسلامي في تركيا، وأصرت على موقفها من الديمقراطية. وتنبأ بأن دخول تركيا للاتحاد الأوربي سيكون على يد حزب إسلامي، أو حزب ذي صبغة إسلامية، رغم ادعاءات الإسلاميين بأن الغرب ضد الإسلاميين. وهذا يطرح سؤالا:"هل دخول تركيا للاتحاد الأوربي مرهون بوصول الإسلاميين للسلطة، أم بقدرتها على إحداث تغيير ديمقراطي في المجتمع، أم مرهون بإرادة الولايات المتحدة ورغبتها في انضمام تركيا للاتحاد؛ بوصفها الحليف القوي لها في أوربا بعد بريطانيا ودول أوربية أخرى أصغر شأنا؟".