فهرس الكتاب

الصفحة 8394 من 27364

والمثير حقا هو هذا التضارب في المواقف الأمريكية؛ فهل رحبت الولايات المتحدة بحزب العدالة مع أنه إسلامي؛ لأنه معتدل، أم لأنه قدم"طمأنات" (وربما تنازلات مهمة) في القضية الشائكة بين المسلمين والغرب (قضية فلسطين) ؟ وهل وجود حزب العدالة والتنمية في الحكم هو النموذج الذي يمكن أن ترتضيه الجماعات الإسلامية في العالم العربي؟ بمعنى آخر: هل الإسلاميون متفقون على رؤية لشكل ونظام الحكم، وطبيعة العلاقات مع الدول الكبرى، في حال وصولهم للسلطة؟ الإجابة: لا..

وأعتقد من هذه الإجابة الأخيرة بقاء الموقف الأمريكي الرسمي من الجماعات الإسلامية"محلك سر"لحين الوصول إلى حلول وسط. وفي نفس التوقيت وبنفس اللهجة -وربما بلهجة أشد وأقسى ووفقا لمعطيات المؤتمر المشار إليه- فإن الجماعات الإسلامية لن تخطو خطوة في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، وربما بالغ البعض في موقفه العدائي منها؛ نظرا لأنه عقب المؤتمر بأيام قليلة رفض الأمريكيون رفضا قاطعا إجراء انتخابات في العراق (وهو القطر المفترض أن يكون نموذجا ديمقراطيا يحتذى لبقية الشعوب العربية) . وبعد هذا الرفض تم تسريب خبر من وكالة الاستخبارات الأمريكية يقول بأن الإدارة الأمريكية لن تسمح لأي تغيير في المنطقة -وتحديدا مصر والسعودية- لأن ذلك يعني عدم استقرار المنطقة والإضرار بمصالحها.

تغييب الحكومات والمفكرين

مؤتمر بمثل هذه الأهمية يفترض أن يكون للحكومات العربية دور فيه؛ لأن إشكالية التيار الإسلامي ليست مع الولايات المتحدة فقط، بل في جزء منها مع الأنظمة. ولكن هذه الأنظمة يبدو أنها ترفعت عن المشاركة، أو أن المنظمين رأوا ألا يفسدوا المؤتمر بحضور حكومي مبرمج، يردد نفس المقولات والشعارات، أو ربما اعتقدوا أن الحكومات لا دور لها، وأن الأمر مرهون بالإرادة الأمريكية.. من يدري؟

وربما خافت الحكومات أن يدرك الأمريكيون -وعن قرب- حجم احتقان الموقف، وحجم المعارضة التي تلقتها الحكومات جراء مواقفها من التيار الإسلامي وحقوق الإنسان بشكل عام، والديمقراطية في العالم العربي. ولأنها كانت غائبة فقد غيبت معها وسائل إعلامها؛ ولم تقم بتغطية الحدث، ولو كخبر يستحق النشر.

وإذا كان غياب الحكومات مفهوما؛ فلماذا لم يُدعَ المفكرون الإسلاميون من أمثال محمد عمارة والعوا؟ الإجابة هي أن المنظمين ربما ليسوا في حاجة إلى منظرين، بل يبحثون عن قيادات يعرفون أن لها دورا تنفيذيًّا على أرض الواقع.. ربما.

أمريكا تريد أن"تفبرك"شريكا

الولايات المتحدة تبحث عن مفاوض أو محاور إسلامي معتدل، لكنها لا تريد أن يكون هذا الشريك الإسلامي بمواصفات عربية أو إسلامية، بل تريده شريكا أكثر تحررا (أي أكثر تحللا من موروثه الديني والثقافي) ، وأكثر تفهما (بمعنى ألا يربط بين التعامل مع أمريكا وموقفها من الكيان الصهيوني) .

وفي اعتقادي أن البحث ما زال جاريا، وسيظل جاريا، لا لحين العثور على شخصيات إسلامية بهذه المواصفات؛ ولكن لحين قبول الولايات المتحدة فكرة التعايش مع إسلاميين يحملون مواصفاتهم.

والسؤال هو حول جدية الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك، ومدى قدرتها على المشاركة في مؤتمرات من هذا النوع في المنطقة، أو إقناعها لأصدقائها في السلطة بالسماح بمثل هذه الحوارات، أو استدعاء الكوادر الإسلامية إلى الأراضي الأمريكية للتفاوض معها ومحاورتها. وهنا سنكون على أعتاب موقف أمريكي جاد يمثل تحديا للطرفين؛ وأشك في أن يكون أي من الطرفين لديه القدرة على الدخول في مثل هذا التحدي في الوقت الراهن. فلا الولايات المتحدة مستعدة أن تخسر حلفاء تعبت من أجل تثبيتهم، ولا الإسلاميون مستعدون للقبول بالسراب حتى ولو كان معسولا وجميلا ومغريا.

لماذا الكويت بالذات؟

الولايات المتحدة جاءت لتبحث عن شركاء، وبعض الإسلاميين جاء ليلعنها على الملأ، ويسفه أحلامها، والبعض الآخر قدم تنازلات، ولكن غابت الحكومات كما غاب المفكرون الإسلاميون. والكويت احتضنت الجميع لتثبت أن الإشكالية ليست أحادية الطرف، بل متعددة الأطراف. لكن أليس غريبا وعجيبا أن يعقد مثل هذا المؤتمر على أرض الكويت، ولا يعقد على أرض بلد كبير لديه مشكلة حقيقية مع الإسلاميين! وما أكثر تلك البلدان!!.. مجرد سؤال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت