فهرس الكتاب

الصفحة 8427 من 27364

بعبارة أخرى، فإنه إذا كانت الأصولية الإسلامية، والأصولية الجهادية تحديداً، هي المسؤولة عن انفجار الأوضاع وتأزمها بين المسلمين وأميركا، فإن الأصولية المسيحية، والأصولية التي تعتقد في الحل العسكري تحديداً، هي المسؤولة عن تزايد المد الأصولي في المنطقة، وذلك حين تحاول أمركة العالم حتى لو كان ذلك بالقوة العسكرية، وفي النهاية فإن كلتا الأصوليتين وجهان لعملة واحدة. والحقيقة أنه لا تثريب على الولايات المتحدة في السعى نحو تحقيق غاياتها بالصورة التي تراها مناسبة، فهي دولة تسعى إلى تأمين مصالحها وأمنها، والتمتع بثمرات القوة والمجتمع المتقدم الذي حققته، ولكن اللوم يكون منصباً على هذه السياسة أو تلك لتناقضها مع حكمة أن أمن الولايات المتحدة ينبع أيضاً من أمن الآخرين، ورفاهها لا يكون إلا من خلال رفاه الآخرين، واستقرارها لا يكون إلا باستقرار الآخرين، ومن هنا يمكن نقد السياسة الأميركية، أما المبدأ فهو حق للجميع، سواء كانت أميركا أو غيرها. فأن تكون الولايات المتحدة اليوم هي القوة الأوحد في عالم اليوم، يفرض عليها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سياسية في بناء عالم خال من المشاكل. أن تحاول الولايات المتحدة أمركة العالم، على أساس أن ذلك ضمانة لأمنها القومي ومصلحتها الوطنية، سياسة خاصة بها، ولها الحق في أن تفعل ما تشاء من أجل ذلك الهدف، كما هو حق الآخرين أيضا. ولكن كيف تكون الأمركة، وكيف يمكن تحقيق الهدف؟ هذا هو السؤال هنا.

ورغم أن الولايات المتحدة تريد أمركة كل العالم، إلا أنها تتعامل مع منطقة الشرق الأوسط، والشرق الأوسط الكبير، كما يسميه المشروع (كل الدول العربية، بالإضافة إلى تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان وإسرائيل) كحالة خاصة، تختلف عن بقية العالم. فهذه المنطقة، وفق المنظور الأميركي، ذات طبيعة مختلفة، فهي عصية على التغيير، مقارنة ببقية مناطق من العالم، كما أنه يُنظر إليها على أنها الحاضن الأول للإرهاب، فكراً وعملاً، والذي هو اليوم العدو الأول لذات الكيان الأميركي، مع استبعاد إسرائيل من هذا المنظور، على أساس أنها امتداد أميركي مهدد في المنطقة، مثلها مثل أميركا ذاتها، ويهدف المشروع إلى صيانة أمنها بالتالي كجزء من الأمن القومي الأميركي. تغيير هذه المنطقة، وفقاً للمنظور الأميركي، يعتبر أمراً ضرورياً من أجل الأمن القومي الأميركي، وهذا التغيير يجب أن يكون على مختلف الأصعدة: سياسياً، ثقافياً، اقتصادياً، واجتماعياً.

لم تكن الولايات المتحدة حقيقة تهتم كثيراً بالأوضاع الداخلية لأية دولة قبل سبتمبر، ولم تكن تهتم إطلاقاً بمثل هذا الأمر قبل انهيار الكتلة الشرقية، إلا في حالات نادرة يكون التدخل فيها ملحاً، كجزء من الحرب الباردة، بدعم لهذا النظام كي لا يسقط في أحضان الشيوعية، أو إسقاط لذاك النظام بعد أن تحالف مع الشيوعية، أو بدا أنه كذلك (مثلاً: ايران 1953، غواتيمالا 1954، 1963، الدومنيكان 1963، 1965، البرازيل 1965، شيلي 1973، وبنما 1989) . ولكن بعد سبتمبر، لم يعد الفصل بين الأوضاع الداخلية لأية دولة وسياستها الخارجية أمراً وارداً في المنظور الأميركي، الذي أصبح أسير المنظور المحافظ الجديد الذي لا يفرق بين المصلحة وسيادة القيم الأميركية في الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة، وهي القيم التي اختزلها هذا اليمين إلى قيم محددة مأخوذة من العهد الجديد للكتاب المقدس، ووفق تفسير معين لمثل تلك النصوص، وهو بالضبط ما يفعله الأصوليون على الجانب الآخر، أي في المنطقة الإسلامية، أو منطقة الشرق الأوسط الكبير تحديداً. وربما لو أردنا تلخيص الفرق بين أميركا ما قبل سبتمبر وأميركا ما بعد سبتمبر، لما وجدنا أفضل من مقولة وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، حيث يقول: «إن المهمة هي التي تحدد الحلفاء، وليس الحلفاء هم من يحددون المهمة» ، بكل ما تحمله هذه العبارة من مضامين أصولية مسكوت عنها. بل وربما عدنا بجذور هذه المقولة ـ السياسة إلى أميركا ما بعد سقوط الكتلة الشرقية. فلقد كانت أميركا وحلفاؤها، بغض النظر عن أوضاعهم الداخلية، يحددون مهمة التحالف، أما اليوم فإن المهمة، تغيير العالم وفق نموذج معين، هي من يحدد الحليف، وإن لم يكن هناك حليف، فلا يهم، فأميركا قادرة بذاتها وبشكل منفرد على فعل ما تريد، وهذا هو ما حدث في المسألة العراقية مثلاً، وانحسار دور الأمم المتحدة في العهد الأميركي الجديد، أو لنقل الباكس أميركانا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت