فهرس الكتاب

الصفحة 8435 من 27364

د. أحمد ثابت **

استخدم مفهوم الشرق الأوسط من قبل القوى الاستعمارية الأوربية إبان الحرب العالمية الأولى بصفة أساسية، وذلك في مواجهة تصاعد تجليات ومظاهر انبعاث الوعي القومي العربي الذي شهد مده وانتشاره لمواجهة نفوذ المشروع القومي الطوراني مع بدء أفول الدولة العثمانية، وما عرف بسياسة التتريك التي أرادت الحركة القومية التركية فرضها على المجتمعات العربية بقيادة حركة"تركيا الفتاة"منذ بدايات القرن العشرين.

وفي نفس الوقت برزت مشروعات مناطق النفوذ البريطانية والفرنسية الاستعمارية واتفاقات ومعاهدات تقسيمها في الوطن العربي بين الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، مثل معاهدة سايكس-بيكو لعام 1916. ولم يكن مفهوم"الشرق الأوسط"يشير في الواقع إلى حيز جغرافي معين ولا إلى تاريخ محدد مشترك لشعوب المنطقة، بل استند بالأساس إلى نظرة السياسات الاستعمارية الأوربية إلى أوروبا كـ"مركز"أو"قطب جاذب"للعالم يقع خارج"الشرق الأوسط"، وبناء على ذلك فقد صكت القوى الاستعمارية الأوربية التعبيرات المختلفة بخصوص مناطق التوسع الاستعماري انطلاقًا من المركزية أو التمحور حول أوربا في عصر الاستعمار التقليدي الذي شكل عالمًا تميز بكونه ذا قطب واحد هو القطب الاستعماري العالمي بدوله المختلفة.

في هذا الإطار شاعت فكرة"الشرق الأوسط"في السياسة البريطانية، وفكرة"المشرق"في أدبيات السياسة الفرنسية. وكلاهما مفاهيم جيو سياسية وإستراتيجية دلت على طبيعة مخططات القوى الاستعمارية الأوربية إزاء"شرقها"هي بالمعنى الجغرافي وعكست إستراتيجيات تقاسم مناطق النفوذ بينها وخصوصًا مع اكتشاف البترول في كل من إيران والعراق وشبه الجزيرة العربية. وهكذا تداخل في المشروع الاستعماري الجغرافيا والتاريخ والأيديولوجيا، وحمل المفهوم في طياته تصورًا لعلاقة الوطن العربي بالعالم الغربي.

وعندما نشأ الكيان الصهيوني في فلسطين بدعم استعماري مباشر صارت"شرق الأوسطية"إلى جانب مركزيتها الأوربية شديدة الارتباط بعلاقة العرب بإسرائيل. ذلك أن إدراك القوتين الاستعماريتين الفرنسية والبريطانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لخطورة ما عرف بـ"المسألة اليهودية"أي موضوع رفض تجمعات يهودية عديدة في أوربا الاندماج في الحداثة والتحديث والعلمانية الغربية، جعلهما يفكران جديًّا في إقامة"وطن للشعب اليهودي"أو لـ"الأمة اليهودية"حسب تعبير بالمرستون رئيس الوزراء البريطاني في أربعينيات القرن التاسع عشر أو حسب تعبير نابليون بونابرت قبل ذلك أي في أواخر القرن الثامن عشر، تحققان به -أي فرنسا وبريطانيا- هدفين متقاطعين هما تجزئة المنطقة العربية من جهة وحل"المشكلة اليهودية"التي أرّقت أوربا كثيرًا، من جهة أخرى.

ومن ثَم وكما يقول المفكر المصري الأستاذ محمد سيد أحمد:"إن (شرق الأوسطية) في أبعادها التاريخية، لا تقتصر على علاقة ثنائية بين العالم العربي/ الإسلامي من جانب، والعالم الغربي/ المسيحي/ اليهودي (بصفته كلا لا يتجزأ) من الجانب الآخر، وإنما هي علاقة"ثلاثية"تشمل ثلاثة أضلاع في آن واحد: العالم العربي/ الإسلامي والعالم الغربي، والعالم اليهودي/ الصهيوني. ونخطئ كثيرًا لو ضممنا العالم اليهودي/ الصهيوني إلى العالم الغربي على وجه الإطلاق دون إدراك أن هناك أوجه تمايز وتباين في الرؤية والهدف والإستراتيجية بينهما، كثيرًا ما يغفلها العرب وهم مخطئون ويسيئون إلى أنفسهم. ومما تجدر تسجيله أن لإسرائيل رؤيتها الخاصة في هذا الصدد" (1) .

إن"شرق الأوسطية"كفكرة تنسب إلى مركز خارج الشرق الأوسط هو أوربا تاريخيًّا وإلى الغرب وفيه الآن الولايات المتحدة - قطبه الأكبر، وهي لم تعبر أبدًا عن نطاق جغرافي تاريخي محدد على وجه الدقة، بل تعرضت للانكماش والتوسع مع تغير المشاريع الغربية والأمريكية تجاه الوطن العربي والعالم الإسلامي. ففي إطار سعي بريطانيا وفرنسا، ثم الولايات المتحدة لحصار المد القومي العربي بزعامة جمال عبد الناصر في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، تم توسيع المفهوم ليشمل دولاً إسلامية غير عربية مثل إيران في عهد الشاه وتركيا بحيث يصبح الشرق الأوسط نطاقًا إستراتيجيًّا وأمنيًّا يقوم على سلسلة من الأحلاف مثل حلف بغداد عام 1955، ثم مشروع النقطة الرابعة للرئيس الأمريكي الأسبق أيزنهاور لملء الفراغ الإستراتيجي بقيادة الولايات المتحدة مع أفول نجم بريطانيا وفرنسا عام 1957 ثم الحلف الإسلامي عام 1965، وهي الأحلاف الاستعمارية التي هزمت ووئدت مع الصحوة القومية وتأميم قناة السويس المصرية وحركة التحرر الوطني العربي والمد الوحدوي العربي.

وهذه السلسلة أدخلت دولاً عربية تحكمها نظم محافظة موالية للولايات المتحدة مثل الأردن والسعودية وعراق نوري السعيد، وتخرج من نفس النطاق شرق الأوسطي دولاً عربية رغم أنها تقع في قلب هذا النطاق نفسه إذا ما قبلنا مدلول المصطلح جغرافيا، مثل مصر وسوريا والعراق منذ عام 1958 واليمن منذ عام 1962.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت