فهرس الكتاب

الصفحة 8436 من 27364

معنى ذلك أن"الشرق الأوسط"هو تعبير عن منطقة"ذات جغرافيا متغيرة" (2) !!، ويدل على ذلك أن المصطلح صار يعبر عن مدلول جغرافي آخر مغاير بعد هزيمة النظام الناصري والمد القومي العربي عام 1967 على يد إسرائيل والدعم الأمريكي لها، فبعد أن كان يقتصر على مصر وفلسطين والشام، صار بعد عدوان عام 1967 وانشغال الحكومات العربية بمهمة"إزالة آثار العدوان"في إطار قرار مجلس الأمن رقم 242 يشير فقط إلى الحيز الذي تشغله الدول التي دخلت حرب 1967.

ويمكن القول إن الولايات المتحدة في عهد إدارة نيكسون وتحت تأثير سياسة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر استثمرت إلى حد بعيد سعي الرئيس المصري السابق أنور السادات إلى تسوية سلمية سريعة ومنفردة مع إسرائيل بعد أن عبر منذ الأيام الأولى لحرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 عن عزمه على عدم إطالة أمد الحرب أو عدم توسيع مداها، وذلك في مراسلاته السرية مع كيسنجر، وتم ذلك الاستثمار من خلال نجاح كيسنجر في فك الارتباط بين قضيتي النفط والصراع العربي - الإسرائيلي في إطار مواجهته لتداعيات استخدام سلاح النفط العربي إبان حرب أكتوبر/ تشرين.

ومن جانب آخر وضعت الولايات المتحدة تصورًا للشرق الأوسط في هذه الحقبة يحصره في الأطراف العربية التي تقبل التسوية السياسية للصراع العربي - الإسرائيلي بقيادة منفردة لواشنطن ومعها كل من إسرائيل وإيران الشاه وتركيا، مع التأكيد على أهمية إقامة علاقات اقتصادية وتنسيق أمني بين هذه الأطراف العربية وإسرائيل. وقد تم ذلك جزئيًّا مع توقيع أنور السادات معاهدة"سلام"منفرد مع إسرائيل عام 1979.

التغير بعد الحرب الباردة

طرحت نهاية الحرب الباردة مع زوال الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج الثانية ضد الغزو العراقي للكويت وانتصار الولايات المتحدة على المنظومة السوفيتية دون حرب فرصًا عديدة للمضي قدمًا في تطبيق مشروعها المتجدد للشرق الأوسط، وخصوصًا مع قيادتها لما سُمِّي عملية سلام مدريد في أكتوبر 1991 وما بعدها والتي شهدت دخول الأطراف العربية في مفاوضات ثنائية مع إسرائيل، وكذلك المباحثات متعددة الأطراف التي شملت كل الدول العربية تقريبًا حتى تلك التي لم تشارك في الصراع العربي الإسرائيلي أو الحروب العربية الإسرائيلية مثل دول الخليج العربي.

وحاولت واشنطن فرض تصورها شرق الأوسطي بقضايا متداخلة بين بعدها العالمي وبعدها الإقليمي مثل التسلح واللاجئين والمياه والتعاون الاقتصادي، مع السعي لتأسيس نماذج للتعاون والتكامل الاقتصادي والأمني على أسس جيو إستراتيجية، وجيو اقتصادية بهدف تقويض النظام الإقليمي العربي وعلى حساب قضايا ومصادر الصراع الجوهرية وهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والقضية الفلسطينية، وعلى حساب الانتماءات والروابط العروبية الإسلامية الثقافية/ الحضارية والتاريخية واللغوية.

وفي هذا الإطار تلاقت المصالح الأمريكية والإسرائيلية في إعادة صياغة خريطة المنطقة عبر طرح صيغة ملائمة لإدخال إسرائيل في"منطقة ينزع عنها مواصفات الجغرافيا التاريخية وسمات التاريخ الحضاري والثقافي، ويشدد فيها على الجغرافيا الاقتصادية المعاصرة في نظام السوق العالمية، ليخلق فيها نواة سوق شرق أوسطية تتوسع بالتدريج انطلاقًا من إسرائيل كنواة ودورها كقوة جاذبة ومهيمنة اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وأمنيًّا ومدنيًّا" (3) .

وقد تقدم بهذا الطرح"شيمون بيريز"في كتابه"الشرق الأوسط الجديد"وكذلك بنيامين نتنياهو في كتابه"مكان تحت الشمس"، حيث تم تقديم إسرائيل لديهما كدولة متقدمة مصنعة وسط محيط من"التخلف"العربي، ودولة ديمقراطية بين نظم دكتاتورية، وكقوة عسكرية رادعة تمكنت من جلب العرب إلى طاولة المفاوضات بعد اقتناعهم بأنه لا مجال لهزيمة إسرائيل عسكريًّا!! هذان الكتابان اللذان نشرا عامي 1995 و1996 هما حصيلة فعلية لما طرحته تل أبيب من قائمة مقترحات قدمتها في الاجتماع الأول لما عرف بالمفاوضات متعددة الأطراف في موسكو في يناير/ كانون الثاني 1992، ثم في المؤتمرات الاقتصادية لما عرف بـ"الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"في الدار البيضاء عام 1994 وعمّان عام 1995 والقاهرة عام 1996 والدوحة عام 997.

وتضمنت برامج للتعاون الاقتصادي في قطاعات ومشروعات محددة: المشاركة في الموارد الطبيعية والتكنولوجية والبشرية، التعاون في ميادين البحث العلمي، توسيع أسواق المنطقة، جذب الاستثمارات الخارجية ومن دول النفط العربية، جذب مؤسسات التمويل الدولية للاستثمار في تطوير البنية الأساسية الإقليمية، وتأسيس صندوق إقليمي للتنمية في الشرق الأوسط. كما تقدمت تل أبيب أيضًا بمقترحات للتنسيق الأمني بين الدول العربية وبينها، وصولا إلى إقامة نظام للإنذار المبكر يقوم على جمع وتبادل المعلومات الاستخبارية والأمنية بينها وبين الأطراف العربية، وبما يكفل الحيلولة دون حدوث أزمات مفاجئة وإدارة الأزمة وقائيًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت