وقد تمكنت إسرائيل من تحقيق نجاح جزئي بدعم تام من الولايات المتحدة وتركيا في مجال التطبيع الاقتصادي وتوقيع معاهدة"سلام"مع الأردن في وادي عربة عام 1994 والتوصل لإعلانات أوسلو بين أعوام 1993 و1995 مع سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، وبادرت دول الخليج العربي وتونس والمغرب بفتح مكاتب تمثيل تجاري لإسرائيل لديها، وزادت وتيرة التطبيع السري والعلني، ومن جانبها أقدمت دول الخليج العربية -تجاوبًا مع الوعود والتهديدات الأمريكية- على إلغاء المقاطعة الاقتصادية من الدرجتين الثانية والثالثة، أي مع الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إسرائيل أو لها فروع فيها.
وهكذا يمكن لنا ملاحظة أن"شرق الأوسطية"كمشروع أمريكي إسرائيلي صار يتوسع ليضم مختلف الدول العربية؛ حيث تم إفهام هذه الدول أن التطبيع لا بد أن يتضمن حيزًا أوسع. وهذا الطرح التوسيعي لـ"شرق الأوسطية"شدد عليه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدريد عندما قال:"إن هدفنا ليس إنهاء حالة الحرب في الشرق الأوسط، وأن تحل محلها حالة عدم الحرب، إن هذا لن يستمر، لكننا نريد السلام الحقيقي، إنني أتحدث عن الأمن والعلاقات الاقتصادية والتجارية والتبادل الثقافي" (4) .
توسع المشروع
ومن اللافت للنظر أن معظم النظم العربية -فيما عدا سوريا ولبنان- سارعت إلى الدخول في هذا المشروع شرق الأوسطي الموسع تحت أوهام عديدة منها أن إدراج إسرائيل في منظومة شرق أوسطية قائمة علي التعاون والتكامل الاقتصادي والمشروعات السياحية والتنموية المشتركة، وخصوصًا بين مصر وإسرائيل والأردن مع ضغط القاهرة وعمّان على السلطة الفلسطينية للانضمام إليها، من الممكن أن يدفع تل أبيب لتنفيذ التزاماتها الواردة في إعلانات أوسلو بشأن القضية الفلسطينية، وخصوصًا أن معظم النظم العربية توافقت ضمنًا مع بعضها البعض من جهة، ومع تل أبيب وواشنطن من جهة أخرى على الحيلولة دون عودة الكفاح المسلح الفلسطيني ضد إسرائيل.
وبالطبع رفضت تل أبيب وواشنطن هذه"المقايضة"وصممتا على الفصل بين التطبيع الثنائي والإقليمي وبين التسوية السلمية للصراع على الجبهات الفلسطينية واللبنانية والسورية.
لكن ذلك الرفض لم تقابله النظم العربية الداخلة في المشروع شرق الأوسطي بتجميد روابط واتصالات التطبيع مع إسرائيل لإدراكها أن بقاء صلات ما بتل أبيب مدخل مهم للغاية لاستمرار علاقاتها الجيدة مع واشنطن، وحيث حرصت على ألا تشوبها أية شائبة، بل إنها التحقت بـ"التجمع شرق الأوسطي الموسع"بالمفهوم الأمني الذي أرادته له كل من واشنطن وتل أبيب عندما حضرت معظم الحكومات العربية ما سُمِّي"مؤتمر شرم الشيخ لمكافحة الإرهاب"، والمقصود"الإرهاب"الفلسطيني خاصة بعد عمليات استشهادية عديدة استهدفت تل أبيب وعسقلان في عام 1996، وعقد المؤتمر بعدها مباشرة ومن أجل انتزاع إدانة رسمية عربية لها، وحضرته إلى جانب الدول العربية تركيا ممثلة في رئيسها وكذلك ممثل عن الاتحاد الأوربي والأمين العام للأمم المتحدة. ومن المفارقات أن حكومات مثل مصر والسعودية أطلقت على المؤتمر تسمية طريفة هي"مؤتمر صانعي السلام بشرم الشيخ"!!
لكن"شرق الأوسطية"هذه تعرضت للتوقف مرحليًّا مع مجيء نتنياهو إلى الحكم في إسرائيل في مايو 1996؛ بسبب سياسات الليكود بزعامته المتعسفة والمغالية في القمع الوحشي للشعب الفلسطيني.
التوجه الإمبراطوري الأمريكي
انتهزت دوائر اليمين المحافظ واليمين المسيحي الأمريكية الحاكمة في إدارة بوش الابن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 والعدوان على العراق واحتلاله والإطاحة بنظام صدام حسين لفرض تصوراتها عما أسمته"الشرق الأوسط الكبير"والذي يقوم على إعادة صياغة كاملة للخريطة الجيو إستراتيجية للمنطقة العربية تتضمن الإجهاز على ما تبقى من بقايا النظام الإقليمي العربي، والعمل على طمس المقومات الثقافية/ الحضارية عروبية وإسلامية للوطن العربي عبر تذويب هذا الفضاء السياسي الجغرافي التاريخي الثقافي المشترك في نطاق إستراتيجي أوسع يمتد من بحر قزوين وشمال القوقاز شمالاً وشرقًا إلى المغرب غربًا.
وقد استندت دوائر اليمين المحافظ واليمين المسيحي وحلفاء إسرائيل ومعها مراكز بحوث مؤثرة في صناعة السياسة think-tanks مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا إلى مزاعم وتصورات غير متناسقة ويسيطر عليها الطابع البراجماتي ومن أهمها أن"الشرق الأوسط"هو منطقة الاضطراب الكبير في العالم ومصدر كبرى المشكلات والتهديدات القديمة والمستجدة للأمن القومي الأمريكي مثل الإرهاب وانتشار أسلحة التدمير الشامل والأصولية والتطرف والهجرة غير المشروعة... إلخ.