وساقت أدلة على ذلك منها وجود نظام صدام حسين نفسه، وكون جميع من نسب إليهم القيام بالهجمات على واشنطن ونيويورك من بلدان عربية، وساعدهم آخرون من تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وباكستانيون وغيرهم من شرق الأوسطيين. هذا إلى جانب ما كرره المسئولون الأمريكيون، بدءاً من الرئيس الأمريكي بوش الابن نفسه ونائبه ديك تشيني إلى وزير الخارجية كولن باول إلى مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس إلى وزير الدفاع رامسفيلد وابنته إليزابيث ومستشاره"بيرل"ووكيل الوزارة"دوجلاس فايث"وغيرهم، بناء على بحوث وتقارير قدمتها مراكز بحوث يمينية مرتبطة بفريق بوش مثل"مؤسسة أمريكان إنتربرايز"و"مؤسسة هيريتاج"، ومفادها أن الطابع السلطوي للنظم العربية الحاكمة في دول كبيرة مثل مصر والسعودية وغيرهما إلى جانب مناهج التعليم والسياسات الثقافية والإعلامية والفساد السياسي والمالي، وكذلك غلبة نظم للحكم وأنماط للتفكير غير عصرية، تُعَدّ كلها مسئولة عن شيوع التطرف والإرهاب والتعصب وكراهية الولايات المتحدة والغرب وموجات الهجرة إلى الدول الغربية والحرمان الاقتصادي والاجتماعي.
ومن الملاحظ أن إدارة بوش الابن صممت على أن تقوم الولايات المتحدة بنفسها بهذه المهمة مباشرة وليس عبر إسرائيل.. مهمة إعادة الهيكلة الشاملة للوطن العربي والعالم الإسلامي فيما يعرف الآن بمشروع"الشرق الأوسط الكبير". وكانت إدارة بوش قد خيرت العالم كله بين تأييد ما يسمى الإرهاب أو محاربته، وحاول بوش الربط بين الإرهابيين وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وصمم على أن تحتكر إدارته وحدها تحديد التهديدات المختلفة، ولم يقبل بمشاركة الآخرين بمن فيهم الحلفاء الأوربيون أنفسهم في ذلك التحديد، بل هدّد الجميع بأن من لم ينضم إلى تصوره في هذا الصدد إنما يدخل أتوماتيكيًّا في خانة دعم الإرهاب أو التستر عليه (5) .
وذكر بوش أيضًا أن أحداث سبتمبر أثبتت أن المؤسسات القديمة وكذلك التحالفات والقواعد لم تَعُد مناسبة لحماية الشعب الأمريكي، وأنه إذا لم يتمكن من قمع الإرهابيين، فإن ميدان عملهم سوف يتسع، وإذا تمكنوا من الوصول إلى أسلحة التدمير الشامل فسوف تترتب نتائج خطيرة. وخاطب بوش النظم العربية بالذات والعالم عمومًا بأن الولايات المتحدة سوف تتصرف في الوقت وبالطريقة التي تلائمها وتراها مناسبة عندما تتوصل إلى وجود رابطة بين الإرهابيين والتكنولوجيا المدمرة. بل ذكر أنه من الضروري هزيمة أعداء الولايات المتحدة وعدم الاكتفاء بالاعتراض على وجودهم (6) .
هلع النظم العربية
ذكرنا أن معظم النظم العربية قبلت الدخول في المشروع شرق الأوسطي عندما كان يقتصر على التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني، بل وتسابقت على المشاركة فيه، لكن عندما توالت تصريحات وأفكار إدارة بوش الابن عن أن الشرق الأوسط الكبير هدفه الرئيسي إدخال الشرق الأوسط في دائرة الدمقرطة العالمية بالمعايير الأمريكية طبعًا التي والذي بدأ منذ إدارة ريجان في بداية الثمانينيات من القرن العشرين إلى بداية عهد إدارة بوش الابن، واقتصر على شرق أوربا وروسيا وأمريكا اللاتينية، فإذا بإدارة بوش الابن تعلن عن تصميمها على ضم الشرق الأوسط إلى دائرة الإصلاح الديمقراطي والسياسي ولو كان ذلك بالقوة، ولو أدى إلى إغضاب الأصدقاء والحلفاء من النظم العربية الموالية التي تعودت على تجاهل الولايات المتحدة لمثل هذه القضايا وتقديم مصلحتها الاقتصادية معها.
ومن هنا عبرت هذه النظم عن غضبها واستيائها من التصميم الأمريكي، وذكرت أن الديمقراطية لا تفرض من الخارج، مع أن غالبية سياسات وقرارات هذه النظم إنما جاءت وطبقت أساسًا بناء على ضغوط وإغراءات خارجية وأمريكية على وجه الخصوص. يمكن تفسير ذلك من قراءة جوهر مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي قدمته إدارة بوش بالفعل إلى قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى القادمة في جورجيا بالولايات المتحدة والتي ستعقد في يونيو/ حزيران 2004 .
وكانت واشنطن قد أجرت مناقشات عديدة مع بعض الوزراء الأوربيين في العاصمة واشنطن بغرض أن يكون الموضوع الرئيسي على جدول أعمال تلك القمة، وحتى يتم التنسيق بين التصور الأمريكي والتصور الأوربي الذي تقدمت به ألمانيا ممثلة في وزير خارجيتها يوشكا فيشر في فبراير/ شباط 2003 إبان القمة الأوربية التي عقدت في ألمانيا والتي دعت إلى إصلاح ديمقراطي في الشرق الأوسط وأساسًا في الدول العربية، ولكن نابع من الداخل إلى جانب مشروع تنمية متكامل وإصلاح عربي وتنمية مستديمة وأثارت المبادرة الألمانية أيضًا أهمية قضية المعرفة (7) .
تعمد الرئيس الأمريكي بوش في خطبه منذ نهاية عام 2003 وحتى نهاية فبراير 2004 أن يغفل الحديث عن الصراع العربي الإسرائيلي أو"سلام الشرق الأوسط"، وقصرها على قضية التغيير السياسي في هذه المنطقة التي صارت تضم أفغانستان وباكستان وإسرائيل وتركيا إلى جانب كل الدول العربية.