مشروع الشرق الأوسط الكبير عبارة عن أفكار غير معدة جيدًا ومتناثرة ولا تشبه خطة محددة أو مشروعًا متكاملاً، فمن أهم ملامح الجانب المتعلق بالتغيير الديمقراطي الذي تريده واشنطن هو ما تحدث عنه بوش في خطابه في السادس من نوفمبر 2003 عندما وصف المجتمع الديمقراطي الناجح المنشود بأنه مجتمع يضع حدودًا على سلطة الدولة وسلطة الجيش؛ لكي تتمكن الحكومة من الاستجابة لإرادة الشعب بدلاً من الاستجابة لإرادة النخبة فقط، وهو المجتمع الذي يشجع قيام المؤسسات المدنية السليمة وتشكيل الأحزاب ونقابات العمال ووجود الصحف ووسائل الإعلام المستقلة، أما اقتصاد هذه المجتمع فهو قائم على اقتصاد القطاع الخاص ويضمن حق الملكية الفردية ويعاقب الفساد ويخصص الاستثمارات في قطاعي الصحة والتعليم للمواطنين ويعترف بحق المرأة، وبدلاً من توجيه مواطنيه نحو كراهية ورفض الآخرين يسعى إلى تحقيق آمال شعبه (8) .
وبهذا المعنى أيضًا قدم كولين باول وزير الخارجية مبادرة الشراكة الأمريكية شرق الأوسطية، وإلى جانب القضايا الاقتصادية التي تتشابه مع ما ورد في خطاب بوش سالف الذكر، ذكر باول أن هذه المبادرة صممت لدعم الرجال والنساء والشباب في الشرق الأوسط في سعيهم نحو الديمقراطية والحريات المدنية وحكم القانون، وتحدث عن برامج واشنطن في هذا الصدد والتي تتضمن ما يلي (9) :
-مساعدة المنظمات غير الحكومية والأفراد المنتمين إلى جميع الفئات السياسية العاملين في سبيل الإصلاح السياسي من خلال آليات كصندوق ديمقراطية الشرق الأوسط.
-دعم إنشاء مزيد من المنظمات غير الحكومية وشركات وسائل الإعلام المستقلة، ومنظمات إجراء الاستفتاءات ومؤسسات الفكر والرأي وغيرها.
-برامج شفافية النظم القانونية والتنظيمية وتحسين إدارة العملية القضائية.
-التدريب للمرشحين لمناصب سياسية ولأعضاء البرلمانات وغيرهم من المسئولين المنتخبين.
-التدريب والتبادل للصحفيين في الصحف التقليدية والصحافة الإلكترونية.
ورغم أن المبادرة تعرضت لقضية الإصلاح التعليمي، فإنها أشارت فقط لبرامج لتعلم القراءة والكتابة وتحسين سبل اكتساب المعرفة ومنح دراسية للبكالوريوس في الولايات المتحدة، أما هدف تغيير نظم ومناهج التعليم والسياسات الثقافية والإعلامية فقد ورد غالبًا في تقارير كشف النقاب عنها، والغرض من وراء ضغوط وإغراءات إدارة بوش وراء ذلك متعدد من أهم جوانبه العمل على إنهاء الكراهية والتعصب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عمومًا باعتبار أن هذه النظم والسياسات كما تزعم إدارة بوش هي المسئولة عن تفريخ الإرهابيين وتشكيل وعيهم!!. ثم ذكر بوش في خطب أخرى له أنه مصمم على تقديم الدعم لأنصار الإصلاحات الديمقراطية في البلاد العربية، وامتدح بعض النظم العربية التي أدخلت بعض الإصلاحات الديمقراطية وخص مصر بالتحديد عندما ذكر أنه آن الأوان لكي تقود مصر جهود الديمقراطية بعد أن قادت جهود ما سماه السلام من قبل.
لم يتوقف الأمر عند حد الدعوات، بل عبرت إدارة بوش عن استعدادها لخوض مواجهة عنيفة في هذا المجال، عندما عبرت عن غضبها الشديد من قيام الحكم المصري باعتقال ومحاكمة مدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية الدكتور سعد الدين إبراهيم، بل وألمحت إلى تصميمها على تخفيض المعونة الأمريكية لمصر إذا ما استمر إبراهيم في السجن. وعبّر بوش كذلك في خطابه في السابع من فبراير 2004 بمناسبة افتتاح معرض في مكتبة الكونجرس عن حياة القائد البريطاني ونستون تشرشل عن نفس المعنى وبصراحة أكبر عندما ربط بين مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية في العالم العربي، وأوضح أن أمريكا تتبع ما أسماه إستراتيجية لنشر الحرية في المنطقة وبأنها تواجه أعداء الإصلاح وتتصدى لمن أطلق عليهم حلفاء الإرهاب، وأكد على أن أمريكا صارت تطالب أصدقاءها الآن بما لم تفعل من قبل (10) .
وذكر أن الديمقراطية ينبغي أن تفرض من الداخل حتى ينفي عن بلاده أنها تفرض الديمقراطية من الخارج، بالطبع يُعَدّ هذا تطورًا بارزًا في موقف إدارة بوش يبدو أنها توصلت إلى أن الديمقراطية لا تفرض من الخارج، وخصوصًا من قوة استعمارية تحتل العراق، بعد سماع نصائح حلفائها الأوربيين. وهو أمر على كل حال يدل على إدراك هذه الإدارة ولو جزئيًّا لهذه الحقيقة وهو ما أقرت به على الأغلب تحت ضغوط داخلية من الديمقراطيين في حمى التحضير للانتخابات الرئاسية القادة في نوفمبر 2004، ولكن هذه الإدارة لم تفعل الكثير في صدد التغيير الديمقراطي الفعلي وبما يقنع ولو جزئيًّا المواطن العربي الذي يرى وحشية قوات الاحتلال الأمريكي في العراق وقوات الاحتلال الصهيوني في فلسطين.