فقد ظهر بوش في خطابه هذه المرة كمن يمهد للسياسات الصهيونية ضمنا في المنطقة من خلال شن هجوم على الدول التي تعادي أمريكا وإسرائيل لإلهائها بمسألة الديمقراطية عن مواقفها المناهضة للسياسة الأمريكية والإسرائيلية، كما أنه سعى لإلهاء هذه الدول بالديمقراطية بحيث تنشغل ببيوتها الداخلية عن مناكفة أمريكا في العراق ومناكفة الصهاينة في حربهم ضد الفلسطينيين!
فتش عن اللوبي الصهيوني
بل إن عددا من المحللين العرب قالوا: إن المبرر وراء خطاب بوش هو نصرة المصالح الصهيونية، ووضْع مزيد من الضغوط على الدول العربية، وقال بعضهم: إنه لا يستبعد أن يكون الإسرائيليون هم الذي نصحوا الرئيس بوش بالإعلان عن اكتشافه الخطير (الديمقراطية) ، والدعوة إلى تطبيقها في العالم العربي وإيران، وغيرها من الدول المعادية لإسرائيل ولأمريكا معا!.. كما لم يستبعدوا أيضا أن يكون"اللوبي اليهودي الأمريكي"هو الذي يقف وراء تلك الدعوة التي يهاجم فيها الرئيس بوش الحكومات العربية، وبالذات تلك التي تعادي إسرائيل رغم حاجة الإدارة الأمريكية لهذه الحكومات في مواجهة من يصفونهم بـ"الإرهابيين".
وربما لفت هذا التخبط من جانب الإدارة الأمريكية نظر صحيفة"واشنطن بوست"؛ فكتبت في مقال تحليلي يوم 7 نوفمبر تشير لما أسمته"المعضلة الأمريكية"التي تتمثل في الرغبة في انتقاد ومهاجمة الحكومات العربية غير الديمقراطية.. وفي الوقت نفسه الحاجة إلى دعم هذه الحكومات فيما يسمى الحرب ضد الإرهاب، فقالت:"إن بوش لم يتحدث عن الواقع الصعب الذي سيحد -على الأرجح- من أي تقدم كبير في المستقبل القريب في هذه المنطقة"، و"إن الأولوية الكبرى للولايات المتحدة تبقى مكافحة الإرهاب، وعليها في سبيل ذلك الاعتماد دائما وبقوة على تحالفات مع أنظمة دينية".
صحيح أن بوش انبرى في خطابه للدفاع عن الدين الإسلامي والاتهامات الموجهة له من جانب غربيين بأنه لا يقبل الحكم الديمقراطي، وشدد على أن الديانة الإسلامية"تنسجم تماما مع مبادئ الحكم الديمقراطي، واستشهد بعدد من الدول الإسلامية التي تحكمها أنظمة ديمقراطية، ومنها تركيا وإندونيسيا والسنغال والنيجر.. إلا أنه فشل في الربط بين الإسلام والحكومات العربية عندما تحدث عما أسماه"الحكومات الثيوقراطية" (أي الدينية) في المنطقة قاصدا على وجه التحديد إيران."
والحقيقة أن القراءة الدقيقة لخطاب بوش تثير بالفعل الحيرة، وتدعو للتساؤل عن الهدف الحقيقي من الخطاب؛ فهو هاجم بقسوة غياب الديمقراطية في العالم العربي وانتعاش الديكتاتوريات، وقال بوضوح: إن هذا يضر بمصالح أمريكا؛ حيث سيتحول غضب المضطهدين في هذه الدول نحو أمريكا كما حدث في 11 سبتمبر اعتقادا بأن واشنطن تساند هذه الأنظمة، ولكنه عندما تحدث بالتفصيل عن هذه الدول امتدح دولا غير ديمقراطية في الواقع، وهاجم دولا ديمقراطية!
فالرئيس بوش أشاد بالمملكة العربية السعودية وخطواتها نحو الديمقراطية، وانتقد مصر رغم أن الوضع الديمقراطي في مصر أفضل بكثير من نظيره في السعودية، وهناك نوع من حرية الصحافة وتعدد أحزاب وحقوق جيدة للمرأة، بينما لا توجد أي من هذه الأشياء في المملكة العربية السعودية.
أيضا أشاد بوش بدول ليست ديمقراطية وفق المعايير المعروفة للكلمة، رغم أنها بدأت خطوات إيجابية في هذا الطريق، مثل البحرين وقطر والمغرب وسلطنة عمان، وبالمقابل هاجم إيران بعنف، وتحدث عن فقدان حكومتها الشرعية رغم أنها تطبق معايير ديمقراطية وبها انتخابات حرة.
لماذا الهجوم على مصر؟
والمدهش أن هذه هي المرة الأولى التي يهاجم فيها رئيس أمريكي مصر حليفة الولايات المتحدة منذ السبعينيات؛ حيث قال بوش:"إنه يجب أن تقود (مصر) الطريق إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط"، ودعاها إلى تزعم مجهود الدمقرطة في العالم العربي، كما فعلت بتزعمها عملية السلام العربية الإسرائيلية. قائلا:"لقد مهد الشعب المصري العظيم المعتز بنفسه الطريق نحو السلام في الشرق الأوسط، والآن بات عليه أن يمهد الطريق نحو الديمقراطية".
صحيح أن هناك بوادر أزمة في العلاقات بين الدولتين بسبب الموقف المصري المساند للسلطة الفلسطينية والرافض لزيادة الضغوط على الفلسطينيين لحد تفكيك منظمات المقاومة الفلسطينية، وبسبب الموقف المصري المتعلق بتجميد العلاقات مع الصهاينة وسحب السفير المصري من تل أبيب وعدم تعيين جديد.. ولكن الغضب الأمريكي الأكبر على مصر ربما يأتي من أن العقول المنفذة والمدبرة لهجمات 11 سبتمبر أغلبها لمصريين خرجوا من مصر وتحمّل واشنطن الحكومة المصرية المسئولية عن تصديرهم العنف إلى نيويورك.