لا غبار في أن معظم الدول الإسلامية تقع تحت أنظمة سلطوية من الدرجة الأولى. فبالرغم من أن العقود الأخيرة قد شهدت اتجاهاً عالميًّا نحو الحرية والديمقراطية، فإن العالم الإسلامي ما زال متأخراً عن الركب. فلا توجد دولة عربية واحدة -سواء في الشرق الأوسط أو في شمال إفريقيا- تطبق نظام الانتخابات الشعبية الحرة. الأمر الذي يترتب عليه ضياع حقوق الإنسان في العالم الإسلامي، مقارنة ببقية العالم. هذا إضافة إلى الفشل الاقتصادي الذي يهيمن على معظم الدول الإسلامية. فعبر الربع الأخير من القرن الماضي، ظل مستوى المعيشة -في أغلب البلدان الإسلامية- إما في تدهور مستمر أو في ثبات مستقر. باختصار شديد، فإنه من الصعب، بل من المستحيل، أن نجد مثلاً واحداً لأي دولة إسلامية يمكن أن تمثل نموذجاً سياسيًّا أو اقتصاديًّا ناجحاً.
هذه الأزمة السياسية/الاقتصادية في العالم الإسلامي خلفت ضغطاً داخليًّا على الحكومات؛ الأمر الذي مهد الفرصة للجماعات المتشددة (الراديكالية) بأن تستغل الظروف أسوأ استغلال. وأكبر دليل على ذلك، ما واجهته الكثير من الدول من تحديات إرهابية، متمثلة في"القاعدة"و"الجهاد الإسلامي المصري".. تلك الجماعات التي أصرت على قلب الحكم. فما كان من رد فعل الحكومات إلا أن انتقلت بالمشكلة إلى الخارج؛ فقامت بنفي تلك الجماعات التي صوبت جام غضبها تجاه الولايات المتحدة الأمريكية لكونها المفتاح الأساسي -كما تعتقد تلك الجماعات- لإبقاء الحكومات الإسلامية في الحكم.
إن فشل"الدولة"في العالم الإسلامي ساهم -بشكل كبير- في تدعيم شعور بالسخط العام تجاه الولايات المتحدة الأمريكية. فالكثير من المسلمين يرون أن الإدارة الأمريكية تحافظ على الوضع الراهن"المخزي"الموجود حاليًّا في البلدان الإسلامية؛ وأنها تؤيد حالة"انعدام الكرامة"و"الذل"التي تشهدها الشعوب الإسلامية كل يوم نتيجة لتصرفات حكوماتها التي لا تتأخر عن استغلال سلطتها في جميع المجالات. والقضية الفلسطينية خير مثال على ذلك. باختصار، الإدارة الأمريكية يُنظر إليها على كونها الراعي للنظام الظالم؛ وممثلاً أساسيًّا لازدواج المعايير.
إن الشعور العام بالاغتراب في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى فقدان التقدم السياسي والاقتصادي قد ساهما في خلق وتمهيد المناخ الذي أفرز هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وما تبعها من ردود أفعال كثيرة في العالم الإسلامي. وحتى لو استطاعت الإدارة الأمريكية اللحاق بزعماء القاعدة والقبض عليهم، فإن العاملين -اللذين سبق وذكرناهما في أول الفقرة- سيزالان موجودين. ومن ثم يصير"الإصلاح"السياسي والاقتصادي في العالم الإسلامي من أولويات الإستراتيجية الأمريكية. وهذا"الإصلاح"يمكن بالطبع أن يحقق أعظم المنافع للحكومات الإسلامية نفسها؛ خاصة إذا أرادت الأخيرة الاحتفاظ بنظامها... إن التحدي الذي يسيطر على أذهان صانعي القرار الأمريكي اليوم يتمثل حقيقة في كيفية كسر تلك الحلقة -التي يسير في فلكها السلطوية والفقر والإحباط والإرهاب- مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بالمصالح الأمريكية.
إذا كان غياب الحرية والشفافية يمثل الجذر الأساسي للمشكلة، فإن"الدمقرطة"يمكن أن تكون الطريق الأوحد للمساهمة في التخلص من حالة الاغتراب التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية. إن"الدمقرطة"يمكن أن تساهم في إيجاد حلول لمشاكل كثيرة في العالم الإسلامي؛ منها: ضعف الحكومات النابع من الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة؛ العنف النابع من الصراعات الدائرة مع إسرائيل والهند وغيرها؛ تأييد المتطرفين من قبل العامة التي يتم استبعادها من المشاركة السياسية.
"الدمقرطة"ليست بالمهمة السهلة؛ فهي تستلزم جهوداً مكثفة من قبل الإدارة الأمريكية.. تستلزم وضع أجندة أمريكية جديدة تجاه العالم الإسلامي.. تستلزم"دوراناً للخلف"، وإعادة النظر في العقود الماضية للسياسة الأمريكية. فسياسة"الاستثناء"-التي كانت تطبقها الإدارة الأمريكية سابقاً حيال الحكومات الإسلامية المتحالفة- لن يكون لها مجال في السياسة الخارجية الأمريكية. وإنما سيجيء بدلاً منها سياسات أخرى، تحض على حقوق الإنسان، وتحض على مبادئ الشفافية والإصلاح. ليس هذا فقط، بل ستكون هذه السياسات شرطاً أساسيًّا لتقديم برامج المعونات الأمريكية.
والمعضلة في هذا الأمر -بالنسبة للإدارة الأمريكية- هي أنها في الوقت الذي ستقوم بالضغط فيه على تلك الحكومات الإسلامية، ستكون في أشد وفي أمس الحاجة إلى تلك الحكومات؛ إذ إن الأخيرة تعتبر فاعلاً أساسيًّا، تعتمد عليه واشنطن، في اقتلاع جذور الجماعات الإرهابية. ولنا في النظام السوري -الذي يعتبر بعيداً كل البعد عن النظام النيابي- خير مثال.