أما المعضلة الثانية، فتتمثل في كون عملية"الدمقرطة"عملية غير مضمونة. فالتاريخ يشهد على أنها عملية مؤلمة وبطيئة للغاية، فضلاً عن تضمنها مخاطر عديدة تهدد باندلاع أعمال عنف من جانب الجماعات المتطرفة. والسؤال أو الـ dilemma الذي يطرح نفسه هنا هو كالتالي: كيف تدفع الإدارة الأمريكية نحو"الدمقرطة"، بدون التعرض لمخاطر اندلاع العنف الذي يشنه الإسلاميون الراديكاليون؟ فمن خلال"الدمقرطة"، يمكن للإسلاميين الراديكاليين -وللجماعات المعارضة بوجه عام- أن ينفذوا من"ثغرة الحرية"ليستولوا على الحكم، كما حدث في الجزائر؛ الأمر الذي لا يصب نهائيًّا في المصلحة الأمريكية.
وأخيراً، تكمن المعضلة الثالثة في كيفية التعامل الأمريكي مع الأحزاب الإسلامية، التي ستتألق مع هبوب رياح"الدمقرطة". ومن المنطقي أن تبدأ الإدارة الأمريكية في تدشين علاقات جديدة وإيجابية مع هذه الأحزاب، راغبة من وراء ذلك"تحسين"و"تعديل"رؤيتها للولايات المتحدة الأمريكية.
والحق يُقال بأن التفوق العسكري الهائل لدى الولايات المتحدة - الذي ظهر جليا في أفغانستان والذي سيظهر في العراق- لم يقابله، للأسف الشديد، تفوق مماثل في النطاق السياسي. فحتى الآن لم تستطع الإدارة الأمريكية بلورة خطة محكمة عن كيفية التعامل مع الواقع السياسي في الدول الإسلامية، وتعتبر أفغانستان مثلاً حيًّا لذلك.
خلاصة الأمر أن الإدارة الأمريكية ملزمة إلزاماً شديداً بإيجاد سبيل لتدعيم وتشجيع"الأصوات المعتدلة"التي تؤيد الإصلاح والتسامح؛ وذلك من خلال امتصاص كل مصادر الضيق التي تغذي ظهور الراديكاليين. والذكاء هنا أن يتم كل ذلك دون المساس بالمصالح الأمريكية في العالم الإسلامي.
إسرائيل وفلسطين وما وراءهما
كانت السياسة الأمريكية - وما زالت - تتعامل مع القضية الفلسطينية بمعزل عن علاقاتها مع بقية العالم الإسلامي. ولكن من الواضح أن هذه السياسة لن تستمر طويلاً؛ إذ إن ما يحدث الآن في الأراضي الفلسطينية -ويتصاعد بصورة مستمرة- سيكون له أسوأ الأثر على العلاقات الأمريكية الإسلامية. فالتأييد الأمريكي المستمر -سواء على الصعيد السياسي أو العسكري- لدولة مثل إسرائيل، أبرز الإدارة الأمريكية في صورة اللاعب المتحيز ذاتيا ضد الفلسطينيين، بل ضد المسلمين بصفة عامة؛ الأمر الذي أوجد شعوراً عامًّا بالعداء تجاه الولايات المتحدة. وهنا بالضبط تكمن الإشكالية؛ إذ كيف يستطيع صانعو السياسة الأمريكية الملاءمة -أو الموازنة- بين تحالف بلادهم مع إسرائيل، وبين الحفاظ في نفس الوقت على"صورة مشرقة"للولايات المتحدة في العالم الإسلامي؟
وفي لب هذا التحدي الذي يواجه الإدارة الأمريكية، تطل علينا ظاهرة جديدة وهي: تغير السياق السياسي في كثير من الدول الإسلامية. ويرتكز هذا التغير على تحول ديموغرافي واضح؛ يتمثل أساساً في"انتفاخ شبابي"أو"سيولة شبابية"عبر جميع المجتمعات الإسلامية. فالشباب الذكور باتوا يشكلون فئة متزايدة من سكان العالم الإسلامي؛ ومن ثم باتوا يشكلون مصدراً للقلق وعدم الاستقرار. وحاليا تكمن المخاطر في فشل الحكومات الإسلامية في استيعاب هذه الجماعة، ودمجها في الهياكل السياسية والاقتصادية. ولا ننسى طبعاً، أن هذا الجيل الجديد المتصاعد قد أتى في مرحلة اتسمت بالأسلمة المتزايدة؛ مما لم يسمح له بالمشاركة في التاريخ الطويل للعلاقات الوطيدة مع الولايات المتحدة. وتقوم -بالطبع- هذه"السيولة الشبابية"بإثارة العجز الحكومي الذي يزداد وضوحاً مع تصاعد أحداث العنف الإسرائيلي الفلسطيني.
ومما زاد الطين بلة، أن كلاً من الظاهرتين -تصاعد الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني والتحول الديموغرافي - ترعرعا في ظل تطور إعلام جديد في العالم الإسلامي. ففي كثير من الدول الإسلامية، ظهرت منافذ ووسائل جديدة للأخبار -سواء محلية أو عبر قومية- مستبدلة الاحتكار الحكومي لسوق الأخبار. وتعتبر قناة الجزيرة التليفزيونية - التي توفر أخباراً مباشرة من وجهة النظر العربية - ممثلة لهذا التطور الإعلامي.
إن التوسع الكبير - الذي شهدته مصادر المعلومات في العالم الإسلامي - يعتبر ظاهرة إيجابية خلفت مساحة كبرى للجدل والمناظرة والنقد. المشكلة هي -أنه في ظل التصاعد المستمر للعنف في فلسطين- رأت الكثير من القنوات والمنافذ الجديدة أن المبالغة في التقديم أعظم تأثيراً وربحاً من الصحافة المهنية التقليدية. ومن ثم، رأينا آليات التطور الإعلامي الأمريكي تنتقل بحذافيرها إلى الأسواق لإسلامية. فمثلاً، نلمس تزايداً ملحوظاً في برامج الحوار talkshows ، وتألقاً واضحاً لتلك النوعية من البرامج التي صارت متنفساً متعمداً لإخراج ألوان الضيق المختلفة تجاه الولايات المتحدة.