وصارت المحصلة -في النهاية- نشوء بيئة اجتماعية في منتهى الخطورة؛ تتألف من"سيولة شبابية"عارمة ومتزايدة، وحكومات ضعيفة، و"انفجار"للوسائل الإعلامية المختلفة، وأخيراً"تغذية"يومية لمشاهد الانتفاضة الدامية. وكل هذه المؤلفات تضافرت بعد ذلك لتنتج اتجاهاً مضادًّا للولايات المتحدة الأمريكية؛ كان له أثر كبير في تقييد حركة الأنظمة المتحالفة مع الولايات المتحدة. كما كان له أثر في تشريع وتقنين أشكال معينة من الإرهاب، وظهور"الأسلمة"في الشارع العربي والإسلامي.
ومن ثم، تجد الإدارة الأمريكية نفسها محاصرة من قبل العديد من الإشكاليات المتباينة.. كيف تستطيع الإدارة الأمريكية تأييد إسرائيل ومعارضة استخدام العنف الإرهابي ضد المدنيين الإسرائيليين، بدون تسوية علاقاتها مع الحكومات الإسلامية التي تلعب دوراً حيويًّا في الحرب الأمريكية على القاعدة؟ كيف تؤيد تنامي الإعلام الحر المفتوح في العالم الإسلامي، وهي تعلم جيداً أن هذا الإعلام سيضر بجهودها فيما بعد؟ وأكبر دليل على وجود هذه الإشكالية الأخيرة، هو مطالبة الأنظمة العربية والإسلامية الآن بالتدخل في القنوات الإعلامية الجديدة، بعد أن كانت تشجع استقلاليتها عن التدخل الحكومي. وأخيراً كيف تستطيع الإدارة الأمريكية تأييد الأنظمة المسلمة المعتدلة التي تعمل لصالح السلام مع إسرائيل، بدون تعريضها للاتهامات التي ستوجه إليها بصدد إذعانها للمطالب الأمريكية؟
خلاصة الأمر أن تجديد عملية السلام ووضع نهاية للعنف الإسرائيلي الفلسطيني سيساهم في حل الكثير من المشاكل التي تعترض علاقة الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي. بالإضافة إلى تخفيف الحِمل على الأنظمة المحلية، وامتصاص شحنة الغضب المتوجهة ضد الولايات المتحدة عبر المنطقة. والسؤال المحير هنا، هو: كيف تستطيع الإدارة الأمريكية وضع قدمها على هذا الطريق، بدون التنازل عن الأهداف والمصالح الأخرى؟
تحدي"الإصلاح"
تحدٍ آخر يواجه السياسة الخارجية الأمريكية -كما يواجه المنظمات غير الحكومية الغربية- هو: كيفية تدعيم القوى الإسلامية المعتدلة، وقوى المجتمع المدني بشكل عام، في ظل حكومات وأنظمة مهددة بالانهيار، من قبل القوى الإسلامية الراديكالية؟
وتأتي أهمية تدشين مجتمع مدني في العالم الإسلامي، من كونها توفر بدائل حقيقية لكل من"الحكومة السلطوية"والجماعات"الراديكالية". فتشجيع هذا المجتمع يُعتبر خطوة أولى لإحداث التغيير والإصلاح. ولكن -بالرغم من ذلك- يظل التساؤل، حول مدى إمكانية تدعيم قوى المجتمع المدني في العالم الإسلامي، بدون التسبب في إحداث تدخل ضار أو غير مرغوب فيه؟
سؤال آخر يطل علينا، وهو: كيف يمكن للإدارة الأمريكية أن تحدد مدى شرعية جماعات المجتمع المدني؛ أي تلك الجماعات التي ستستخدم المعونات الأمريكية لإنجاز ما يُطلب إنجازه؟ الموضوع لا يتعلق فقط بتوجس الإدارة الأمريكية من فساد تلك المعونات، أو سوء إدارتها من قبل الدول المتلقية؛ ولكن توجسها الحقيقي يكمن في"الأجندات"التي تضعها معظم قوى المجتمع المدني المعروفة في العالم الإسلامي؛ تلك"الأجندات"التي لا تتمشى دائماً مع ما يفضله الغرب ويحبذه. فمثلاً، توجد جماعات تركز أنشطتها على توفير الخدمات الصحية والغذائية للفقراء؛ ولكنها تضع عراقيل كثيرة فيما يخص حقوق المرأة؛ الأمر الذي يضايق المانحين الأمريكيين بشدة.
كيف تستطيع الولايات المتحدة عمل موازنة بين تدعيم المجتمعات المدنية والتدخل الأمريكي غير المرغوب فيه؟ كيف بإمكانها أن تدفع القوى المدنية نحو التغيير الإيجابي، بدون وضعها في قفص الاتهام بالعمالة للأمريكيين؟ باختصار إن الإدارة الأمريكية ملزمة بالابتعاد عن أي صورة تجعل الآخرين ينظرون إليها نظرة"المصحح للإسلام".
ويحتل الإصلاح التعليمي المرتبة الأولى من أولويات الإدارة الأمريكية تجاه قضية"الإصلاح". وقبل الخوض في هذا الأمر، يجب علينا الإعلان صراحة بأن التعليم في العالم الإسلامي بأسره يعاني من مشاكل جمة، جعلته بعيداً كل البعد عن المقاييس العالمية التعليمية. وكانت النتيجة أن ازدادت الضغوط على السيناريو الاقتصادي في العالم الإسلامي؛ الأمر الذي أدى إلى لجم الطموحات والآمال الاقتصادية، وكل هذا ارتبط بتدهور مستمر لفعاليات الحكومات والمجتمعات المدنية.
ونظام"المدارس"في باكستان خير مثال على هذا التدهور التعليمي. المشكلة في هذه"المدارس"-التي نشأت منذ قرون مضت- هي كونها أُسست أصلاً لتعليم العلماء والفقهاء المسلمين؛ وليس لتعليم عامة الشعب. ففي وقت ما كانت هذه المدارس تضم المئات من الطلاب؛ أما الآن فهي تضم عشرات الآلاف من الطلاب الذين يتلقون أدنى درجات التعليم، القائمة على الحفظ والتلقين، دون إعدادهم للتعامل مع العالم العصري المتحضر. وما زاد الطين بلة أن عددا من هذه"المدارس"مرتبط ارتباطاً وثيقاً بجماعات مسلحة خطرة. ومن ثم، فإن النظام التعليمي السائد حاليًّا في باكستان، يعطي لنا إطلالة عامة عن الاقتصاد الباكستاني المتذبذب، وكذلك عن العنف الموجود في المنطقة.