فهرس الكتاب

الصفحة 8479 من 27364

إن"المدارس"تشكل تحديًّا واضحاً للسياسة الأمريكية. فهي باختصار، تعرقل الجهود الأمريكية تجاه العالم الإسلامي. فما تبنيه الإدارة الأمريكية بيد"للإصلاح"، تجيء المدارس لتهدمه باليد الأخرى. وبما أن موضوع المدارس يعتبر شأناً داخليًّا محضاً، يقع في نطاق الدولة الباكستانية ذات السيادة، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتدخل. فمن جهة، هي لا تستطيع أن تغلق هذه المدارس -خاصة أنها مدارس غير حكومية- ومن جهة أخرى، لا تستطيع أن تقيم مدارس بديلة خاضعة للقيم والمعايير الأمريكية.

إن التدعيم الأمريكي للمجتمع المدني في العالم الإسلامي يمكن أن يكون ذات نوايا حسنة؛ ولكنه في نفس الوقت يورط الإدارة الأمريكية في الوقوع في داخل جدالات ومناظرات إسلامية؛ وفي الاهتمامات الأساسية للمجتمعات الأخرى. ومن ثم، فالتحدي الأصلي الذي نواجهه هو: إقامة نظام معين للتأكد من أن عواقب معوناتنا هي عواقب إيجابية. وحتى يتم هذا، فعلى التدعيم الأمريكي أن يصاحبه"قسم المهنة"الذي يقوله الأطباء قبل امتهانهم مهنة الطب: أولاً، لا تلحق ضرراً بأحد.

الأقليات المسلمة

من سخريات القدر، أن المخاوف التي كانت تتأهب لها الإدارة الأمريكية -من الدول"المارقة"أو"محور الشر"- وتعمل لها ألف حساب، أن هذه المخاوف قد تطورت بشكل معين، فصارت تنبع من الدول الصديقة للولايات المتحدة بدلاً من الدول"المارقة". فالكثير من الدول الصديقة باتت تشكل خطراً لا يقل ضراوة عن الدول المارقة. ولم تعد السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط هي نفسها السياسة تجاه العالم الإسلامي؛ كما كان هو الأمر من قبل. باختصار إن الولايات المتحدة تواجه إشكالية في سياسة التوسع: كيف تستطيع أن تتعامل مع شئون المسلمين الذين لا يعيشون في الدول التي ينظر إليها تقليديًّا على كونها إسلامية؟

وفي خضم انشغال صانعي القرارات بالسياسة، يغفل عليهم -للأسف- أخذ إحصائيات مهمة في الاعتبار. فالعرب يشكلون أقل من خمس السكان المسلمين. وكما نعلم أن أكثر الدول اكتظاظاً بالمسلمين (إندونيسيا، باكستان، الهند، بنجلاديش) ، لا تقع في نطاق الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك، فإن أكثر من ثلث المسلمين يعيشون كأقليات في دول غير مسلمة (في الصين، فرنسا، الهند، الفليبين، الولايات المتحدة… إلخ) . وفي الهند وحدها، يعيش حوالي 130 مليون مسلم؛ ومن ثم، فإذا كان الشرق الأوسط عامة، والدول المارقة خاصة، يمثلون أهمية لدينا ولدى قراراتنا، فإن هذا لا يشمل"القصة"كلها. فإذا أرادت الولايات المتحدة إقامة علاقات إيجابية مع العالم الإسلامي"الأوسع"فيجب عليها أن تتبع سياسات"أوسع".

لا شك، في أن الأقليات المسلمة باتت تمثل اليوم أعداداً مهولة، تتزايد حشودها عاماً بعد عام؛ كما هو الحال في البلقان وفي آسيا الوسطى. وقد تعاظم شأن هذه الأقليات بفعل العولمة، وبفعل الاهتمام المتزايد بمكانة الإسلام في النظام العالمي.

العولمة -التي أتاحت انفتاح الحدود على مصراعيها- أدخلت الأقليات المسلمة في لب العالم الإسلامي؛ بل أدخلتها في لب العالم كله. وكانت النتيجة أن صار ألم دولة واحدة يُسمع في باقي الأمة. فما تجابهه الأقليات المسلمة في الفليبين والبلقان وإقليم سينكيانج لم يعد معزولاً، بل أصبح في محور الصراعات. كما سهلت العولمة انتقال العنف من منطقة إلى منطقة، بمنتهى اليسر والسهولة. فحركة التنقل العالمي للمجاهدين القدماء من الحرب الأفغانية الروسية إلى الجزائر، إلى البوسنة، إلى الشيشان، إلى إندونيسيا، إلى الفليبين، إلى طاجكستان.. خير مثال على كيفية ظهور العنف عبر عدة مناطق، في نفس الوقت.

والخطير في هذا الأمر، أن الغرب نفسه صار حاوياً لتلك الأقليات المسلمة المؤيدة للعنف والراديكالية. وأكبر دليل على ذلك، يتمثل فيمن قاموا باعتداءات 11 سبتمبر، حيث إنهم جميعاً من العرب.. إلا أن منظماتهم تقع أساساً في العالم الغربي. فكثير من التخطيطات يُحتمل أن تكون قد تمت على يد أقليات مسلمة تعيش في هامبورج بألمانيا. وكذلك بالنسبة للقاعدة فليست كل خلاياها تتواجد في داخل الدول المارقة؛ بل يتواجد البعض الآخر في عدد من الدول غير المسلمة والحليفة للولايات المتحدة، مثل أسبانيا وإيطاليا؛ بل حتى في الولايات المتحدة نفسها. ومن ثم، تصير الولايات المتحدة ملزمة -هي وحلفاؤها- بمعرفة الأسباب الحقيقية التي لا تجعل فقط التطرف الإسلامي ينمو ويترعرع في المدارس الباكستانية؛ بل التي تجعله يترعرع أيضاً في مساجد بروكسل، وفي أزقة برمنجهام.

إن الدول الإسلامية ليست هي الجبهة الوحيدة لمواجهة الإرهاب. فالقاعدة نفسها صارت تتبع إستراتيجية معينة لتجنيد مسلمين لا يمكن الاشتباه فيهم، بغرض التمويه، مثل ريتشارد ريد"مفجر الحذاء"من بريطانيا؛ وجوزيه باديلا"المفجر القذر"من شيكاغو. ونتيجة لذلك -ورغماً عن النموذج الهوليودي الذي يجسد الإرهابي المسلم في صورة معينة- تصير صورة الإرهابي المعاصر غير مألوفة للإدراك التقليدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت