فهرس الكتاب

الصفحة 8480 من 27364

وتظهر مشكلة أو مصيبة أخرى تتعلق بوضع المسلمين في القارة الأوربية. فالوضع الراهن ينذر بزيادة مفرطة للمواليد المسلمين؛ بالإضافة إلى المهاجرين. إن تواجد الإسلام في أوربا سيتعاظم بطريقة مثيرة في ظل الجيل القادم. ففي فرنسا مثلاً، تصل نسبة المسلمين إلى 10% من السكان. وفي ألمانيا، وبريطانيا، وهولندا، يشكل المسلمون نسبة مميزة ومتميزة. ولكن بالرغم من ذلك تفتقد هذه الجماعات التواصل الكافي مع ما حولها؛ ومن ثم تعاني من وطأة المشاكل، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية؛ مثل مشكلة التحيز والعنصرية.

وهنا يأتي التساؤل: هل سيعمل مسلمو أوربا على تقريب العلاقات بين الحكومات الأوربية والإدارة الأمريكية، أم على الإبعاد بينهما؟ وما هي السياسات والإستراتيجيات التي يجب أن تتبعها الإدارة الأمريكية تجاه حلفائها الأوربيين التقليديين، إذا ما تحسن وضع الجماعات الإسلامية في داخل أوربا؟

النقطة المهمة في الموضوع، أنه في ظل العولمة التي نعيشها حاليًّا، تصير الولايات المتحدة مجبرة على توسيع رؤيتها.. فلا تقتصر جهودها على الدول المارقة، وإنما تشتمل على ما هو أكبر من منطقة الشرق الأوسط. فالعالم الإسلامي ليس الجبهة الوحيدة للإرهاب، وإنما تُضاف إليه الجماعات المهاجرة.

الحرب الباردة الجديدة

إن فكرة اتباع الإدارة الأمريكية لإستراتيجية موحدة وكبيرة كانت سائدة في فترة الحرب الباردة. ومع سقوط سور برلين في عام 1989 اندثرت هذه الفكرة وتلاشت تماماً. ولكن يبدو أنها في طريقها إلى العودة ثانية، فبعد أحداث 11 سبتمبر يتوقع الكثيرون بأن السياسة الخارجية الأمريكية ستعود إلى عهدها القديم.

لقد صارت"الحرب على الإرهاب"نسقاً معرفيًّا ينظر من خلاله صانعو السياسة الأمريكية إلى العالم. فربط الأجندة الأمريكية مع الخطر الإرهابي صار سبباً مقنعاً لتبرير عدد كبير من ممارسات السياسة الخارجية. ولا نستبعد أبداً أن تتحول القاعدة إلى"الخطر الأحمر"لهذا العصر.

وبالطبع، يتمثل الجزء الإيجابي في الموضوع أنه يعطي للإدارة الأمريكية"محورا"و"طاقة"كانت تفتقدها في فترة ما بعد الحرب الباردة. ولكن هذا لا ينفي وجود إشكالية من شأنها أن تعرقل تلك الإيجابية. وأصل الإشكالية تدور حول الآتي: كيف يمكن بناء نسق معرفي"للحرب على الإرهاب"، يساعد على توفير إطار إستراتيجي لتوجهاتنا، بدون التورط في الأعمال غير الضرورية؟

فمما لا شك فيه أن اتباع الإدارة الأمريكية للإستراتيجية"الموحدة"سيجعلها عرضة للاستغلال من جانب الكثير من الأنظمة. فمنذ اعتداءات 11 سبتمبر استطاعت العديد من الأنظمة أن تقنع الإدارة الأمريكية بإمدادها بمزيد من المساعدات العسكرية، بهدف مساعدتها على محاربة الأعداء والخصوم المحليين، بغض النظر عما إذا كانت تلك الخصوم مرتبطة بالقاعدة أم لا. والمثال الكلاسيكي لهذا، ما يحدث في نابال، حيث تدفع الإدارة الأمريكية -في الوقت الحالي- أكثر من 10% من الميزانية العسكرية التابعة للنظام النابالي. وهذا بالرغم من أن الأخير لا يحارب جماعة إسلامية راديكالية؛ وإنما يحارب جامعة ماوية متمردة.

صحيح أن تدخل الإدارة الأمريكية في كثير من الدول -خاصة ذات الحكومات الضعيفة التي لا تستطيع السيطرة على تنقل عدوى الإرهاب- يصل إلى الأمر الإلزامي، إلا أن مخاطر التدخل لا يجب أبداً تجاهلها. وأول هذه المخاطر اكتساب أعداء جدد للولايات المتحدة من قبل اللاعبين المحليين. وثانيها هي اتساع بقعة أو مساحة الحرب. وثالثها ازدياد اعتماد الأنظمة المحلية على المساعدات الأمريكية، وهو ما يقلل من شأن تلك الأنظمة في عيون شعوبها. وآخر هذه المخاطر هو تدعيم صورة"الإمبريالية الأمريكية الزاحفة"على العالم الإسلامي، الأمر الذي يتناقض تماماً مع الدبلوماسية الأمريكية.

تحدٍ آخر يظهر أمام الساسة الأمريكيين؛ وهو: هل سيتم التفريق بين الإرهاب وحركات التمرد؟ فقد توجد بعض الجماعات الإسلامية التي ليس لديها أدنى علاقة بالقاعدة، والتي لا تمتلك أي أجندة مناهضة للولايات الأمريكية؟ فهل تتم مساواة هذه الجماعات بالجماعات الأخرى المنتمية لفكر"القاعدة"؟

خلاصة الأمر لا بد من الرجوع إلى دروس الحرب الباردة، والنظر فيها بتمعن. وكما كانت الحرب الباردة حرباً بين فكرين مختلفين -الرأسمالي والشيوعي- فإن"الحرب على الإرهاب"هي أيضاً بمثابة حرب بين الأفكار. وهناك مقارنات بين التقارب الأمريكي الحالي وبين التقارب الأمريكي في أثناء الحرب الباردة. والذكاء هنا هو"إخراج"الإنجازات القديمة، وتحاشي الأخطاء الماضية.

الخاتمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت