بعد عام من اعتداءات 11 سبتمبر، تظل الإدارة الأمريكية أمامها مهمة في غاية الصعوبة، وهي: الوصول إلى قرارات ملحة ومعقدة لبلورة شكل التعامل مع العالم الإسلامي. وأولى خطوات هذه العملية هي تسمية وتحديد الإشكاليات التي تضر بسياستنا. لا بد من معرفة هذه الإشكاليات، والاعتراف بها من أجل التغلب عليها. وأعظم هذه الإشكاليات: الملاءمة والموازنة بين السعي وراء المصالح الأمريكية الملحة وبين السعي وراء تدعيم"الإصلاحات"التي يمكن أن تساعد على تقليل ظاهرة العنف المتطرف. وتزداد هذه الإشكالية صعوبة عند نشوء"العراك"بين ما هو صالح للأمن على المدى القريب، وبين ما هو ضروري للأمن على المدى البعيد... باختصار على الإدارة الأمريكية أن تواجه"ميراث"خيارات السياسات القديمة.
ومع الإدراك المتعاظم لتلك التحديات -التي ستواجهنا فيما بعد- لا بد من إيجاد"أجندة"للإجابة على هذه الإشكاليات. وهذا سيتطلب تحليلاً متعمقاً لمصالحنا وقدراتنا الأساسية. ومن ثم فعلينا التركيز على بلورة"النهاية"المثلى للسياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي. بمعنى ما هي العلاقة التي تود الإدارة الأمريكية أن تنشئها مع الحكومات والحركات الإسلامية؟
إن تنمية هذه الأهداف الإستراتيجية لا بد من تنفيذها على المستويات العليا لمجلس الأمن القومي، وللهيئات التنفيذية المختصة (وزارة الخارجية، الدفاع، المخابرات) مع وضع إسهامات الأطراف المعنية الأخرى في الاعتبار؛ مثل الخبرات غير الحكومية. ويحتل"التوجيه الرئاسي للأمن القومي"NSPD الجهاز الأساسي في داخل الحكومة الأمريكية الذي سيخول له النتائج النهائية لهذه الأهداف.
ومع تحديد وتدشين الأهداف النهائية يستطيع صانعو القرار بلورة اقتراب أكثر تنظيماً، بهدف التيقن من المتطلبات التي قد تحتاجها الولايات المتحدة للوصول إلى"العلاقة المستهدفة"مع العالم الإسلامي. وهذه العملية من شأنها أن تخلق إجراءات واضحة بالنسبة لأهم موضوعات المنطقة؛ مثل المناخ العام المناهض للأمركة في دول معينة، و"المجتمع المدني"، ودرجات التعاون على مناهضة الأعمال الإرهابية.
أما إذا لم يُكتب النجاح لمثل هذا الاقتراب فيصير لزاماً على صانعي القرار أن يبدءوا -على الأقل- في إقامة مقياس لوزن الآثار المترتبة عن قراراتهم، والآثار على المدى البعيد وعلى المدى القريب، في أثناء مواجهة الإشكاليات السالف ذكرها. ولا ننسى -في خضم كل ذلك- أن نفسح الطريق للاعبين غير الحكوميين، ليدلوا بدلوهم في تحديد الأهداف النهائية، وتقييمها باستمرار بين حين وآخر.
إن درس 11 سبتمبر يملي علينا ألا نؤجل -بعد اليوم- اتخاذ القرارات الصعبة. إن"تراجيديا"سبتمبر منحت لنا تفويضاً لكي نغير في سياستنا الخارجية، ولكي ندشن علاقة إيجابية ومستمرة مع العالم الإسلامي. أما عن كيفية حلنا للإشكاليات المرتبطة ببناء هذه الإستراتيجية فإن هذه الكيفية لن تحدد فقط ما ستسفر عنه"الحرب على الإرهاب"، وإنما ستحدد أيضاً"تراث"هذه الحرب.