فهرس الكتاب

الصفحة 8500 من 27364

وقد زادت حالة العجز الرسمي العربي والإسلامي تجاه ما يحدث في فلسطين، وما يُعد للعراق، فكان من الطبيعي -وفق هذا التحليل- أن يصوت الناخبون بقوة للتخلص من الحكومات التقليدية وإخراجها بعنف، ليس من السلطة، بل من الحياة السياسية النيابية ككل (أحزاب الائتلاف الحاكم التركي لم تحصل على مقعد واحد في البرلمان، والأحزاب الباكستانية التقليدية تقهقرت بشكل غير مسبوق، وبعض أحزاب الائتلاف المغربي الحاكم السابق تعرضت لهزيمة منكرة مثل الاتحاد الدستوري الذي خسر 34 مقعدا دفعة واحدة!) .

واللافت هنا أن نسبة كبيرة من الناخبين في بعض هذه الدول كانت تدرك أن تصويتها لصالح الإسلاميين لن يأتي بجديد أو بتغيير حقيقي، ففي المغرب كان التعليق الأساسي الذي أدلى به أكثر من سياسي في الأحزاب المغربية تعقيبًا على نتائج أول انتخابات تجرى في عهد الملك الجديد"محمد السادس"، وحلول حزب العدالة والتنمية الإسلامي في المركز الثالث -هو:"حتى لو فاز الحزب بكل المقاعد فلن يكون له أي تأثير على الحياة السياسية في البلاد!".

وسبب هذا التعليق المتشائم -رغم حالة التفاؤل العامة لإجراء انتخابات تتسم بقدر من النزاهة النسبية- أن الدستور المغربي ما زال يعطي الملك حقوقًا أكبر من الحكومات، بل ويعطيه حق تعيين رئيس الوزراء وأربعة من أهم الوزراء في الحكومة؛ وهو ما يعني أنه يحكم ويملك معًا، ويتحكم في أي حكومة حتى لو شكلها الإسلاميون!.

والأمر نفسه قيل في تركيا رغم اكتساح الإسلاميين، بسبب سطوة الجيش التركي، للحد الذي دفع الإسلاميين أنفسهم لتغيير لقبهم إلى"يمين محافظ علماني"؛ لأنهم لا يستطيعون أن يستخدموا أي صفة دينة لحزبهم في تركيا. ناهيك بالطبع عما ترتب على هذا من تدني نسبة التصويت في الانتخابات عموما استنادا إلى حالة من التشاؤم وعدم توقع تغيير.

ثالثا: انتشار الفساد والفقر:

وهذا السبب يعتبره البعض سببا رئيسيا لفوز الإسلاميين؛ على اعتبار أنه هدف يمكن تحقيقه ولو جزئيا، خاصة أنه مرتبط بمصلحة النظم الحاكمة والقوى الأجنبية صاحبة النفوذ فيها بعدما نخر سوس الفساد في العظم، وبدأت تنتشر الاحتجاجات الشعبية بما يهدد العروش نفسها والاستقرار السياسي برمته، فضلا عن أنه شعار ترفعه الكثير من الحكومات.

وقد سبقت الإشارة إلى رفع كل القوى الإسلامية لشعارات خاصة بالقضاء على الفقر وتحسين الاقتصاد والقضاء على الفساد، ولكن ما يجب التأكيد عليه أن هذه الشعارات ضاربة الجذور في هذه الأحزاب وليست وليدة الانتخابات فقط. ورجب طيب أردوغان رئيس حزب العدالة التركي اشتهر منذ منتصف التسعينيات عندما كان رئيس بلدية إستانبول بأنه الرجل الذي قاد حملة تنظيف إستانبول، وحسَّن ظروف المرافق الصحية فيها، كما أنه مشهور بأنه الرجل الذي طهَّر المدينة من الفساد وحتى من بيوت الدعارة بفضل خططه في تنفيذ فكرة توفير عمل شريف للعاهرات يغنيهن عن بيع أعراضهن.

وكان دافع الناخبين الرئيسي لاختياره أن ينظف لهم تركيا كلها من الفساد كما فعل مع إستانبول، وأن يطبق برامج اقتصادية جيده تعيد الازدهار الاقتصادي لتركيا، وهو بالمناسبة شعار رفعه هو أيضا في الانتخابات، بل وأكد عليه.

رابعا: اكتساب الإسلاميين خبرات كثيرة سابقة:

وهذا السبب تحديدا لا يمكن إغفاله، وأشار إليه بعض قادة هذه الأحزاب الإسلامية الفائزة، بل اعتبره قادة حزب العدالة والتنمية المغربي أحد أسباب عدم رغبتهم في التسرع بالحكم وتفضيل البقاء في مقاعد المعارضة لمزيد من ثقل الخبرات والكوادر.

فليس سرا أن قادة العدالة والتنمية التركي عركتهم الحياة السياسية، ونالوا خبرات طويلة منذ عودة الديمقراطية والتعددية للبلاد عام 1983 وما قبلها عبر زعيمهم أربكان الذي دخل الحياة السياسية منذ الستينيات، وقد خاضوا من قبل ثلاثة انتخابات تركية فازوا في بعضها وخسروا الأخرى، وفي كل مرة كان خطابهم السياسي يتحسن ويتعلم من تجارب الماضي.

وكدليل نلاحظ أن أردوغان حرص على تأكيد أنه لن يصطدم بالجيش كما فعل أربكان في 28 فبراير 1997، كما أنه شدد على الطبيعة العلمانية لحزبه ، وهو نفس ما فعله الإسلاميون المغاربة الذين شددوا على أنهم مع الدستور المغربي، والباكستانيون الذين تحدثوا عن قبول التعايش مع الوجود الغربي على أرضهم!

ولا يعني هذا تنازلات بقدر ما يمكن أن نطلق عليه"فهما صحيحا للعبة السياسية"وإدارة العلاقات الدولية وفق المضامين الدولية السائدة، فأردوغان عندما قال بأنه سينفذ برنامج صندوق النقد الدولي اشترط أن يرتبط هذا بمصلحة تركيا، وعندما قال بأنه علماني ربط هذا بأن العلمانية لا تحارب الدين، وقادة باكستان عندما أعلنوا التعايش مع الغربيين في بلاهم (كنوع من التعاون الأمني بين الدول) أكدوا رفضهم الوجود الأجنبي العسكري على أرضهم.

ولكن السؤال بعد كل هذا هو: إلى أي حد وأي مدى سوف يتمكن الإسلاميون من التكيف مع الواقع الجديد عقب فوزهم؟! وكيف سيكون حال العلاقة بينهم وبين الجيوش الموالية للغرب في بعض الدول؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت