فهرس الكتاب

الصفحة 8507 من 27364

يمكن القول: إن جوهر النظرة الأمريكية للسياسة الخارجية وللعلاقات الدولية يقوم على المصلحة الأمريكية القومية العليا بالأساس، والتي تتكون من ثلاثية: الثروة - القيم/الدين - القوة.

إن تحالف الساسة ورجال المال ورجال الدين في أمريكا قد رسم الخلفية الفكرية الحاسمة للمصلحة القومية العليا للولايات المتحدة، التي ألقت بظلالها على سياستها الخارجية ودورها في العلاقات الدولية. ويعبر أحد قادة البحرية الأمريكية عما سبق بقوله:"على الولايات المتحدة أن تنشر نفوذها التجاري في أنحاء الأرض كلها.. والتصدي للأهداف الإمبريالية الأوروبية.. إن مبدأ مونرو يوجب على الولايات المتحدة رفض أي نفوذ آخر.. الأمر محكوم بالمصلحة القومية وحدها، ولا يبدو أن له حدودًا. فعلى الولايات المتحدة الارتقاء إلى مصاف القوى العظمى.. وتكمن المصلحة القومية، من حيث جوهرها المعلن في طلبها بهيمنة أمريكية ممتدة إلى ما بعد البحار..".

إن قراءة كثير من النصوص الواردة على لسان رجال الدين والسياسة والمال تعكس الرغبة للهيمنة الاقتصادية والعسكرية والدينية على العالم. فالمشروع الأمريكي منذ وقت مبكر"بات هو جذْب كل أنام الكوكب إلى مجتمع مثالي، تشكل على الأرض الأمريكية، وتحقيقه أولاً بالتسامح، ثم بالقوة عند الاقتضاء، وأخيرًا -وهو الأفضل- بالتجارة، إن مهمة أمريكا هي أن تدل بقية العالم على طريق التوبة والتطهير الكبير والإصلاح الاجتماعي، وتراكم الثروة بشتى الطرق".

يعكس ما سبق نظرة للذات"رسالية"و"استعلائية"تجاه العالم الذي لم يزل يعيش في الظلمة بتبني قيمها وبالتجارة طواعية أو بالقوة إذا لزم الأمر. إن الرسالة الأمريكية هي مصلحتها القومية، وتحقيق المصلحة القومية إنما يحقق الرسالة الأمريكية: بالقيم/ الدين، والقوة، والتجارة، إنها استعادة للثلاثية الأوروبية". العسكري والتاجر والمبشر."

بيد أن الثلاثية الأوروبية كانت تعبر عن قوى أوروبية متعددة، أما في الحالة الأمريكية فإنها تعبر عن حاله قوة مطلعة ذات طابع إمبراطوري خارج لعبة التوازن الدولي، وهو فيما يبدو ما حكم الرؤية الأمريكية للعالم على مدى قرنين تقريبًا. إن الإمبراطوريات -بحسب كسينجر- لا تهتم بأن تدير شئونها في إطار نظام دولي؛ فهي تطمح إلى أن تكون هي ذاتها النظام الدولي. هكذا مارست الولايات المتحدة الأمريكية دورها في العلاقات الدولية منذ اليوم الأول الذي بدأ فيه توسعها الدولي.

5-السياسة الخارجية الأمريكية بين منهجي روزفلت وويلسون:

الإدارة الأمريكية الحالية- ومنذ أن تسلمت مسئولياتها- قد حملت كلا الاتجاهين، وأصبحت تعبيرًا حيًا لليمين ببعديه السياسي والديني. فهي تتمثل المفاخرة الويلسونية باستثنائية أمريكا، وكذلك القوة الروزفلتية لتعميم هذه الاستثنائية. ومن جانب آخر، تعبر هذه الإدارة عن اليمين السياسي بسياساته الاقتصادية والضرائبية والاجتماعية المتشددة، كذلك اليمين الديني برؤاه"المانوية"للعالم القائمة على ثنائية الخير والشر، كذلك الالتزام بتحقيق الإرادة الإلهية في تنقية أمريكا والعالم من الشر

إن المتتبع لمسيرة السياسة الخارجية الأمريكية وإستراتيجياتها المتعاقبة للعالم منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى إدارة بوش الابن سوف يجد أنها تتحدد استجابة لأمرين:

-القوة المتنامية باطراد.

-المصالح التوسعية الإمبراطورية.

وقد تراوحت السياسة الخارجية الأمريكية بين مبدأين:

1-مبدأ"القوة"الروزفلتي.

2-مبدأ"تمثل القيم الأمريكية"الويلسوني.

بالنسبة للمبدأ الأول؛ حيث أرساه تيودور روزفلت بما أسماه سياسة العصا الغليظة، وهي السياسة التي بررت حق الولايات المتحدة الأمريكية في ممارسة دور الشرطي، وبخاصة في أمريكا اللاتينية. إن هذه السياسة كانت تعكس مقدار القوة التي بلغتها أمريكا، فنراه يعتبر أمريكا، ليس فقط، صاحبة رسالة كونية، ولكنها أيضا قوة عظمى، وربما أعظم قوة. وإن هذه الرسالة هي القادرة على حراسة وضبط العلاقات الدولية بحكم القوة التي بلغتها. ويذكر كيسنجر عن روزفلت أنه"رفض التأثير المفترض للقانون الدولي؛ فالذي لا تستطيع الدول حمايته بقواها الذاتية لن يحميه الآخرون، فالحق الذي لا تدعمه قوة شرٌّ بل هو أكثر إيذاء من القوة المنفصلة عن الحق".

لقد طور روزفلت مبدأ مونرو الذي كان يقضي بمنع التدخل من الخارج إلى حماية مصالح الولايات المتحدة الآخذة في الامتداد إلى مناطق خارج حدودها.

بالنسبة للمبدأ الثاني؛ جاء وودرو ويلسون، الذي يتفق أنه وضع مبدأ ضرورة أن تتمثل الأمم الأخرى القيم الأمريكية من خلال منظومة كونية؛ فالمبرر الذي بموجبه وافق ويلسون على المشاركة في الحرب العالمية الأولى كان إعادة تشكيل العالم على صورة أمريكا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت