فهرس الكتاب

الصفحة 8508 من 27364

قد يبدو أن هناك تناقضًا بين المبدأين، إلا أنه تناقض سطحي، حيث لا يوجد خلاف على الهدف الإستراتيجي البعيد؛ ألا وهو السيادة الأمريكية الكونية. فما رآه البعض أحيانا حول سياسة ويلسون بأنها تهدف إلى النزعة الأخلاقية صحيح شكلا، إلا أنه لا يختلف كثيرًا عن النهج الروزفلتي؛ فلقد وافق على الدخول في الحرب العالمية الأولى، ليثبت"عظمة"أمريكا وتميزها، وأنه ليس من حق أمريكا أن تدخر قيمها لنفسها فقط، كما رأى أن أمن أمريكا لا ينفصل عن أمن باقي الجنس البشري كله، إنها المسئولية عن الآخرين التي اتخذت طابعًا أخلاقيًا، حيث أمريكا لديه (أي ويلسون) أمة صاحبة رسالة، وإن كان هذا لا يمنع من ممارسة القوة.

إن الجانب الأخلاقي في الثلاثية الأمريكية يتسم بالطابع الديني؛ وهو ما جعل للنموذج الأمريكي"رحمة الرسالية"، وذلك يعود لتأسيس القارة الجديدة (أمريكا) ، أو"إنجلترا الجديدة"new England على يد البيوريتانيين وهم فئة متشددة بروتستانتية، ولقد كانت لهم رؤية خاصة للعالم وللحياة وللإنسان وخلافة. ولا يمكن إغفال أن أمريكا قد تأسس فيها المجتمع والدين في آن واحد، وهو ما سيدفع إلى أن تتحرك مجموعات بشرية لتنظيم نفسها كحركة سياسية اجتماعية ذات مرجعية دينية، وأن تؤسس كيانات وتحالفات عدة في إطار المجتمع المدني لديها رؤية سياسية، وهو ما اصطلح على تسميتهم باليمين الديني، الذي سيعمل كجماعة ضغط، حتى وصول الرئيس بوش الابن إلى الحكم.

الإدارة الأمريكية الحالية

1-اليمين الحاكم: السياسي والديني:

تراوحت السياسة الأمريكية على مدى القرن العشرين بين هذين الاتجاهين غير المتناقضين، على أنه يمكن القول إن الإدارة الأمريكية الحالية -ومنذ أن تسلمت مسئولياتها- قد حملت كلا الاتجاهين معًا، كذلك أصبحت تعبيرًا حيًا لليمين ببعديه السياسي والديني. فالإدارة الحالية تتمثل المفاخرة الويلسونية باستثنائية أمريكا، وكذلك القوة الروزفلتية لتعميم هذه الاستثنائية. ومن جانب آخر تعبر هذه الإدارة عن اليمين السياسي بسياساته الاقتصادية والضرائبية والاجتماعية المتشددة، كذلك اليمين الديني برؤاه"المانوية"للعالم القائمة على ثنائية الخير والشر، كذلك الالتزام بتحقيق الإرادة الإلهية في تنقية أمريكا والعالم من الشر. ونظرا لأن بوش الابن من أتباع هذا الاتجاه؛ فإن توليه الرئاسة يعني وصول اليمين الديني للمشاركة في الحكم للمرة الأولى. وهكذا باتت الإدارة الأمريكية الحالية تعبيرا عن اليميني السياسي الديني. وتعد الإدارة الأمريكية الحالية هي الإدارة المعنية بمواصلة التوسع الإمبراطوري الذي توقف في فترتي كلينتون، وذلك باحتكار الثروات، وبالحملات العسكرية الرادعة، وبالتبشير الديني القيمي الأمريكي، كما يوضحه الشكل التالي:

وتجدر الإشارة إلى أن رؤية هذه الإدارة لم تكن وليدة الفوز بمقعد الرئاسة، أو حادث الحادي عشر من سبتمبر، وإنما هي تسبق ذلك. وللتدليل على ذلك لا بد من قراءة وثائق الحملة الانتخابية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية من جهة، كذلك الأوراق التي قدمت إلى هذه الإدارة بخاصة حول الشرق الأوسط والعراق في الشهر الأول من توليها مسئولياتها.

2-رؤية الإدارة الحالية للعالم منذ الحملة الانتخابية إلى ما بعد 11 سبتمبر (وثيقة كونداليزا رايس) :

الأمر واضح ومباشر في رؤية الحزب الجمهوري، فالمصلحة القومية المباشرة هي الهدف، والقيم تابعة لتحقيق هذه المصلحة. وتحدد كوندوليزا رايس أمرين في غاية الأهمية لتحقيق المصلحة القومية الأمريكية هما:

-دعم السياسات الاقتصادية الدولية التي تفعل مميزات الاقتصاد الأمريكي، وتوسع أطر التجارة الحرة، باعتبارهما أداتين حاسمتين في صياغة السياسية الدولية.

-أن تكون قوة أمريكا العسكرية أكيدة ومصونة، لأن الولايات المتحدة هي الضامنة الوحيدة للسلام والاستقرار الشاملين.

من الأهمية بمكان ولفهم إدارة الرئيس بوش الحالية من حيث رؤيتها التي تحكم نظرتها إلى العالم، والسلوك الذي سوف يترتب على هذه الرؤية -وبخاصة موقفها من"الشرق الأوسط"والعراق- أن نعود إلى حملته الانتخابية، حيث كانت تتولى السيدة كونداليزا رايس مسئولية مستشارة مرشح الرئاسة للشئون الخارجية أثناء الحملة الانتخابية، وقامت بصياغة وثيقة تعكس رؤية مرشح الرئاسة حول رؤية الحزب الجمهوري المستقبلية للعالم في حالة انتخابه. وقد نشرت هذه الوثيقة في مجلة"فورين أفيرز"في عددها الأول من عام 2000 بعنوان:"حملة 2000: النهوض بالمصالح القومية". Campaign 2000: P r omoting The national Inte r ests.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت