فهرس الكتاب
ففي هذه الوثيقة يتضح وعي الإدارة الساعية للحكم بأن الولايات المتحدة تعيش مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وأنه ينبغي لفت النظر إلى:"أن الولايات المتحدة الأمريكية قد وجدت صعوبة بالغة في تحديد مصلحتها القومية في غياب القوة السوفيتية. والواقع أننا لا نعرف ما يجب أن يكون عليه رأينا فيما يلي المواجهة الأمريكية السوفيتية من خلال الإشارات المتوالية إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، إلا أن هذه المراحل الانتقالية مهمة؛ لأنها تقدم فرصا إستراتيجية، وخلال هذا الزمن المرن يمكن التأثير على شكل العالم المستقبلي. ضخامة هذه المرحلة واضحة. فالاتحاد السوفيتي كان أكثر من مجرد منافس تقليدي شامل، بل كان يتوق إلى خلق بديل اشتراكي عالمي للأسواق وللديمقراطية، لقد عزل الاتحاد السوفيتي نفسه، كما عزل عملاءه -غالبًا من غير علمهم- عن شروط الرأسمالية الدولية. وقد زرع في النهاية بذور دماره بنفسه، إذ تحول بسبب انعزاله ديناصورًا اقتصاديًا وتكنولوجياً..".
إن نقطة الانطلاق فيما سبق هو أن هذه الفترة هي فترة انتقالية، على الولايات المتحدة استثمارها لرسم معالم العالم مستقبليا على قاعدة الرأسمالية الدولية ذات البعدين: السوق والديمقراطية، وهي الصيغة التي تروج لها أمريكا تحت لافتة العولمة، على أن يتم ذلك في إطار إعادة تعريف المصلحة القومية الأمريكية بشكل محدد. وتشير السيدة رايس إلى أنه:
"يجب أن تبدأ عملية رسم سياسة خارجية جديدة من الاعتراف بأن الولايات المتحدة تتمتع"بموقع استثنائي".. بعض الدول تملك قدما داخل القطار وقدما خارجه.. بعض الدول ما زالت تأمل في إيجاد طريقة للفصل بين الديمقراطية والتطور الاقتصادي. بعضها يتمسك بأحقاد قديمة كأساليب للالتهاء عن واجب التحديث الذي ينتظرها. لكن الولايات المتحدة وحلفاءها موجودون على الجهة الصحيحة من التاريخ".
إنه الترويج لأمريكا جديدة متوافقة مع"التاريخ"متجاوزة كل من لم يزل متمسكا بالقديم. فالوثيقة تؤكد على طبيعة النظام الاقتصادي الذي يجب أن يتبع في ظل استثنائية الولايات المتحدة، وعلى ضرورة أن يلحق بها الآخرون، وأنه لا يمكن الفصل بين السوق والديمقراطية من جهة، والتحديث واتباع النموذج الأمريكي؛ أي اختيار موقع في التاريخ الذي بات أمريكيا من جهة أخرى.
ويمكن بسهولة ملاحظة: أن هذه الأفكار تنتمي لمدرسة فكرية في السياسة الأمريكية يمكن أن نطلق عليها"الاستشراقية الجديدة"من رموزها برنارد لويس وهنتينجتون، وما أفكارهم إلا تنويعات محدثة للفكر الأمريكي الكلاسيكي فيما يتعلق بالعالم، الذي مثله رؤساء من عينة مونرو وروزفلت وباكسون وويلسون، حيث: استثنائية أمريكا، وضرورة إعلاء المصلحة القومية الأمريكية، وضرورة نشر القيم الأمريكية وإن بالقوة.
وحول القوة تستطرد السيدة رايس وتقول:"إن السياسة الخارجية الأمريكية في ظل إدارة جمهورية يجب أن تعيد التركيز على المصلحة القومية وعلى ملاحقة الأولويات الأساسية، وهذه المهمات هي:"
1)ضمان أن"القوى"الأمريكية في ظل إدارة جمهورية يجب أن تمنع الحروب وتبرز السلطة وتقاتل في سبيل حماية مصالحها، إن لم تنجح في تعويق الحرب.
2)تعزيز النمو الاقتصادي والانفتاح السياسي عبر نشر التجارة الحرة ونظام مالي عالمي مستقر في أوساط جميع الملتزمين بهذه المبادئ، بما فيها العالم الغربي الذي تم تجاهله كمنطقة حيوية للمصالح الأمريكية القومية.
3)تجديد علاقات قوية ووثيقة مع الحلفاء الذين يشاطرون القيم الأمريكية، ويمكنهم بالتالي المشاركة في حمل عبء نشر السلام والازدهار والحرية.
4)تركيز الطاقات الأمريكية على عقد علاقات شاملة مع القوى الكبرى، وخصوصًا روسيا والصين، وهي علاقات تستطيع أن تصوغ -وسوف تصوغ- طابع النظام السياسي الدولي.
5)التعامل بشكل حاسم مع خطر الأنظمة المارقة (القوى العدائية) ، التي تتخذ بازدياد أشكال الإرهاب وتطوير أسلحة الدمار الشامل.
يتضح من المهام السابقة تكرار المفاهيم التقليدية التي تحرص عليها الإدارة الأمريكية المتعاقبة مثل:
-ممارسة القوة لحماية المصالح.
-استقرار النظام المالي العالمي الذي يخدم أهدافها.
-التأكيد على أن هناك"قيما"أمريكية لا بد من نشرها بمعاونة الحلفاء الذين ينتمون لهذه القيم، التي تعني ضمنا أن هناك من ينتمي لقيم أخرى.
-الاهتمام بإعادة صياغة النظام السياسي الدولي إلى جانب أوروبا الحليف الرئيسي لأمريكا؛ كونه ينتمي لنفس المنظومة القيمية (الغربية) من جانب، ومكونا رئيسيا للنظام المالي العالمي من جانب آخر، وروسيا والصين.
-صك تعبير"الأنظمة المارقة"r ouge r egimes، التي لا بد من ترويضها وردعها.