ولعل أهم ما يثير الدهشة عند استقراء وثائق الكونجرس الأمريكية لتأمين منابع النفط والتي تم إعدادها عام 1975، أن رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية قد ساهموا بحماس شديد في وضع هذه الإستراتيجية موضع التنفيذ، فقد قام الرئيس الأمريكي"جيمي كارتر"بوضع نواة وهيكل بناء قوة الانتشار السريع الأمريكية اللازمة لوضع هذه الإستراتيجية موضع التنفيذ، وساهم الرئيسي الأمريكي"رونالد ريجان"بالجزء الأكبر من بنائها والتخطيط لاستخدامها، وقام الرئيس الأمريكي"جورج بوش"بالاستخدام الإستراتيجي المخطط لها في عمليات الحشد العسكري في الخليج، والدفاع عن المملكة العربية السعودية فيما أطلق عليه بعملية"درع الصحراء"، ثم أدار ببراعة بناء حشد عسكري - إلى جانب هذه القوة الأمريكية - شارك فيه قوات تابعة لـ"33 دولة"لتنفيذ العملية الهجومية"عاصفة الصحراء"بهدف تحرير الكويت، ثم استقر وضع هذه القوات في تمركز دائم بقوات عسكرية، سواء داخل دول شرق أوسطية -"تركيا وإسرائيل"- أو دول خليجية، وقد حدث ذلك في عهد الرئيس الأمريكي السابق"بيل كلنتون".
ولعل القراءة المتأنية لهذه الوثائق - التي تواكب الإعلان عنها مع ذكرى العاشرة لتحرير الكويت - تشير إلى أن الرئيس العراقي"صدام حسين"بغزوه لدولة الكويت قد هيَّأ أنسب الطرق لتنفيذ الإستراتيجية الأمريكية لتأمين منابع النفط، كما أوجد المبرر المناسب لاستمرار تواجد وانتشار هذه القوة وتنامي مجموعها، واتساع نطاق مهامهما الإستراتيجية - ليس فقط لتأمين منابع النفط - بل لحماية المصالح الأمريكية بشكل عام في منطقة الشرق الأوسط.
إستراتيجية استخدام القوة المسلحة
لقد تحدد الهدف الإستراتيجي لاستخدام القوة المسلحة الأمريكية - بعد دراسة العديد من الاختيارات الأخرى - للاستيلاء على منطقة حقول النفط الرئيسية الواقعة بالمنطقة الشرقية الممتدة بمحاذاة الخليج الفارسي، وتأمين تدفق أهم حقول النفط السعودية والتسهيلات المصاحبة لها، والاحتفاظ بها أو السيطرة غير المباشرة عليها.
هذا وتشمل منابع النفط والتسهيلات المصاحبة لها"أربعة حقول"نفطية متفرقة ونقاط الاختناق في مناطق"دارعين، وبقبق، والظهران، والقطيف"، إضافة إلى"مجمع رأس تنورة، وجويمة، وميناء الدمام، وقاعدة الظهران الجوية، ومضيق هرمز".
وقد ساعد على إعطاء أولوية عالية لاختيار هذا الهدف - دون غيره - عدة اعتبارات، منها: أولاً؛ أن المنطقة الشرقية الواقعة بمحاذاة الخليج الفارسي تضم واحدًا من ثلاثة تجمعات سكانية في المملكة العربية السعودية، ويبلغ عدد سكان المدن الأربعة الموجودة بها (100 ألف نسمة) فقط. وثانيًا؛ أن التجهيزات المادية المصاحبة للإنتاج البترولي السعودي بهذه المنطقة عالية جدًّا، حيث يبدأ إنتاج الحقول الرئيسية من"544"بئرًا عاملة؛ كل منها يصب"12"ألف برميل يوميًّا في المتوسط. وثالثاً؛ أن معظم هذه الآبار تتدفق من تلقاء ذاتها، حيث يقوم ضغط الطبقات الأرضية التحتية بدفع مزيج من الغاز والنفط إلى السطح. ورابعًا؛ أن البترول الخام يتجمع من جميع الحقول في"رأس تنورة"عن طريق خط أنابيب يبلغ طوله"ألف ميل"، حيث تعتمد شبكة الأنابيب على 75 محطة ضخ منتشرة في أماكن مختلفة. وخامسًا؛ أنه توجد ست محطات ضخمة لتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لتوفير القوة الدافعة للنفط في الأنابيب.
كما تحقق محطات الشحن التي تخدم كل حقول النفط السعودية لمسافة 50 ميلاً فقط لمحاذاة الخليج بين رأس تنورة والخبر، ويتم تخزين النفط الخام والمنتجات البترولية المكررة - انتظارًا لشحنها - في أربع مناطق تخزين بها صهاريج ضخمة، في كل من بقيق والظهران ورأس تنورة ومجمع الميناء في جويمة؛ والذي يوجد به 14 حاوية ضخمة كل منها يبلع ارتفاعها 72 قدمًا وقطرها يصل إلى 352 قدمًا. وتستوعب كل واحدة منها مليون وربع المليون برميل بكافة استيعاب إجمالية تصل إلى 22.5 مليون برميل… مما يجعل إمكانية القيام بأعمال تخريب ضدها بالشحنات الناسفة التقليدية إمكانية ضخمة جدًّا تصل إلى حد استحالة تنفيذها.