فهرس الكتاب

الصفحة 8575 من 27364

إن إنزال هذا البرنامج على أرضية الواقع -كما يقول الدكتور حسن نافعة-"لا يعني أبدا أن الانتصار النهائي لنظم الحكم الليبرالية على الطريقة الغربية أصبح نهائيا أو محتما".

ويعلق الدكتور نافعة هذا الأمر على سببين:

الأول هو أن التجربة الغربية عددها ضئيل وسط دول العالم، بالإضافة إلى حداثة نضجها. والثاني هو أن البيئة الخارجية للمنطقة العربية مختلفة تماما عن البيئة التي أنضجت التجربة الغربية.

كذلك فإنه لم يثبت حتى الآن -والكلام للدكتور نافعة- وجود"أي دراسة إمبريقية جادة حول علاقة ارتباط دائم بين شكل النظام وبين سلوكه وتصرفاته على المسرح الدولي"، فهتلر مثلا وصل إلى رئاسة ألمانيا من خلال مسلك ديمقراطي، ولكنه بعد ذلك اتجه إلى الفاشية والنازية، سواء في داخل بلاده أو خارجها،"غير أن الغرور وحده هو الذي صور للنخبة الحاكمة في الولايات المتحدة أن نموذجها (السياسي الاقتصادي الاجتماعي) هو الذي انتصر، وأن العالم لن يكون بوسعه حل المشكلات ومواجهة التحديات التي تواجهه إلا إذا تبنى هذا النموذج طوعا أو كرها".

ومثل الدكتور نافعة يستنكر السيد ياسين هذا البرنامج قائلا:"إذا كنا لا نتردد في الموافقة على تشخيص كوندوليزا رايس للحالة العربية الراهنة بأنها تتسم بالافتقار إلى الممارسات الديمقراطية الحقيقية ، فإننا نرفض تماما المزاعم الأمريكية في كون هدف الولايات المتحدة هو ترسيخ الديمقراطية في الوطن العربي !".

ولا يقل خالد الحروب معارضة عمن سبق؛ فهو يصف الوضع الأمريكي الحالي، باعتباره نظاما تحكميا يُدار تحت اسم الديمقراطية، بهدف إجهاض أي تقدم ديمقراطي أصيل. فصارت"مصلحة الأمن القومي الأمريكي"هي الوجهة التي تحدد"السقف"الذي يجب أن يصل إليه الانفتاح السياسي للمجتمعات العربية، وصار هناك"ربط عضوي وتعسفي"بين الشكل السياسي الاجتماعي الذي يجب أن تكون عليه المجتمعات العربية وبين المصلحة الأمريكية العليا؛ وصار مشروع الدمقرطة مدمجا مع مشروع الدعم الأمريكي لإسرائيل.

ملخص القول -كما ينصح الحروب في النهاية- بأن أي مشروع ديمقراطي مقترن بالولايات المتحدة سيخفق في تحقيق الديمقراطية؛ لأنها ستصير مشبوهة، ومن ثم"فإن أفضل خدمة تقدمها الولايات المتحدة للمنطقة هي أن تبقى بعيدة عنها؛ لأن الديمقراطية إذا ولدت بقابلة أمريكية، فإنها ستكون وليدا مشوها مكروها".

والحقيقة أن ما تحاول فعله الخارجية الأمريكية مع المنطقة العربية، يمثل حلقة متصلة تحت عنوان:"أنا والآخر"."فواجب الرجل الأبيض"تجاه"العالم المتخلف"موجود منذ الأزل، وله تاريخ طويل.

فهذا الآخر بالنسبة للرجل الأبيض كان يمثل في البداية"الكافر"، ثم صار يمثل"الهمجي"، ثم"المتخلف"، ثم"الشيوعي"، وأخيرا"الإرهابي". وهو -كما يشير الدكتور علي مزروعي- انتقال من"الديني"إلى"الحضاري"إلى"الاقتصادي"إلى"الأيديولوجي"إلى"الثقافي".

وما نشهده الآن هو اجتياح عظيم للعولمة الأمريكية (عولمة الثقافة وعولمة الاقتصاد) تحت اسم"البرنامج الديمقراطي".

وقضية"أنا والآخر"تجلت بوضوح مع ظهور العولمة، ومع ظهور"القوة الرخوة"soft powe r التي تحدث عنها جوزيف ناي، وأخطر ما في الموضوع هو التصور الأمريكي الحالي، وهو: إن سبب الإرهاب يكمن في جذور الثقافة الإسلامية، والتي يحاولون اقتلاعها واجتثاثها بشتى الطرق، مرة تحت اسم"برنامج الزائر الدولي"، ومرة تحت اسم"مؤتمرات التسامح"، ومرة تحت اسم"الإصلاح القضائي".

"إن جوهر الخطر في مفهوم التحديث -كما يقول الدكتور سيف الدين عبد الفتاح- هو أنه وليد الحضارة الغربية وخبرتها، وأن محاولة تعديتها ليس إلا حالة من حالات التعدية الفكرية، ويعني أننا لم نتغير من الأعماق إلى الدرجة المطلوبة لملاقاة التحدي."

وفي حقيقة الأمر فالمجتمعات الغربية ليست مثلا أعلى أو وحيدا يقاس التقدم بقدر الاقتراب منه.

إن الذي لا يقتفي أثر خطواتك، ويرفض أن يستمر في السير خلفك، قد تفقد تبعيته لك إلى الأبد، وليس أكثر فعالية في ضمان هذه التبعية من أن تحاول إقناعه باستمرار بأنه ليس هناك هدف أكثر جدارة من أن يحاول اللحاق بك"."

مراجع:

السيد ياسين،"تشخيص الوضع العربي"، الأهرام 14 أغسطس 2003

خالد الحروب، الحياة أغسطس 2003

حسن نافعة،"تساؤلات حول مستقبل الليبرالية السياسية.. بعد الحرب على العراق"، الحياة 13/8/2003

موقع وزارة الخارجية الأمريكية www.stategov.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت