فهرس الكتاب

الصفحة 8578 من 27364

-إذا كانت الديمقراطية من أجل مواجهة المخاطر الخارجية، تصبح القضية واحدة، ففي بداية القرن العشرين اختلف المصريون حول أيهما أولى: الإصلاح الداخلي أو إجلاء النفوذ الأجنبي، وتفرقوا لحزبين ولم يستطيعوا إقامة حركة حقيقية فعالة إلا حينما توحد الهدفان في هدف واحد؛ فالديمقراطية أداة للتوحد والاجتماع لمواجهة المخاطر الجانبية، وهذا يعطي واقعًا أكبر للديمقراطية.

إذن الاثنان مطلب واحد؛ فقديما في القرن الـ 19 ظهر تعبير"مصر للمصريين"، وكان هذا تعبيرا ديمقراطيا ووطنيا في نفس الوقت؛ لأنه يساعد على عمل انتخابات وإعطاء حريات للمواطنين، وفي نفس الوقت هو شعار احتجاجي ضد نخبة انفصلت وارتبطت بالأطماع الأوروبية الأجنبية، وأتخيل أن الحركات الشعبية خلال الـ 20 سنة الماضية، أهمها كان متعلقا بمشاكل تتعلق بالخطر الخارجي، فمثلا المظاهرات والحركات التي تمت في مارس وإبريل أثناء الغزو الأمريكي للعراق هذا العام وتلك التي تمت في سنتي 90 و91 كانت بمناسبة أحداث غزو العراق للكويت، والمظاهرات في أيام الانتفاضة سنة 2000 و2001 كانت مرتبطة بالشعب الفلسطيني.

**ولكن لم نشهد في قضايانا الداخلية مثل هذه التحركات؛ فحساسيتنا تجاه القضايا الداخلية لا تذكر بالنسبة لتحركاتنا لمواجهة الاستعمار الخارجي؟

-ولكن هذا يدل على الارتباط بين التحرك الشعبي والقضايا الوطنية والصلة الوثيقة بين التحرك الديمقراطي والأهداف الوطنية، وأقصد بالأهداف الوطنية مقاومة المخاطر الخارجية، سواء عن طريق مقاومة الاحتلال الأجنبي، أو مقاومة النفوذ الأجنبي على السياسات المحلية والداخلية أو قضايا حفظ الأمن القومي للدول.

**لكن لماذا لم تثر حركات التحرر الوطني لتنقذنا من السلطة الاستبدادية، ولماذا لا تتحدث عن الديمقراطية الداخلية بنفس القدر التي تتحرك به من أجل مقاومة الاستعمار الخارجي؟

هل ما نحن فيه الآن مرتبط بالثقافة أو الفقه السني الذي يوجب الصبر على السلطان الجائر طالما أقام الصلاة؟ ثم، أليس هناك مخاوف من أن عودة فكرة التحرر الوطني -التي كانت سائدة في جيلك- قد تقضي على فكرة حركة مقاومة الاستبداد الداخلي؟

-إن ما أريده هو الخروج عن الثنائية لتقرير ما هو الأفضل: الديمقراطية أم الاستقلال الوطني؟ لأن هذه الثنائية مغلوطة؛ فالديمقراطية حق مرتبط بالوطنية ولن تتحقق الديمقراطية إلا في ظل حكومة وطنية. وفي التجربة التي مررنا بها في التاريخ المصري منذ سنة 1919 حتى سنة 1952 كانت الديمقراطية مرتبطة ارتباطًا كبيرًا بالحركة الوطنية بحيث من كان يقف ضد هذه الديمقراطية سيفرط إذن في الاستقلال ومن يضرب الحركة الشعبية سيمهد للاحتلال فكانت القضية واحدة. ثم جاءت فترة عبد الناصر وظل شعار الديمقراطية مرتبطًا بالاستقلال حتى سنة 56، ولكن بعد تأميم القناة وثبوت وطنية النظام سكت الناس عن الديمقراطية من 1956 إلى 1966 وأول مظاهرات حدثت كانت سنة 1968.

كان النظام وطنيا، ولكنه لم يستطع في تكويناته وتركيباته السياسية الداخلية حماية الاستقلال، وقد نقول بأن المشير عبد الحكيم عامر هو السبب، والتكوين الثنائي للدولة مرتبط بعدم النظام، وهذا ما أدى إلى هزيمة 67. وبالنسبة للبلاد العربية الأخرى تبين من التجربة أن الديمقراطية هي الطريق الوحيد لتحقيق الاستقلال الوطني، ومع ذلك تعد الطريق الوحيد أيضا للخروج من مأزق الطغاة.

إن كل ما أريده هو التأكيد على أن القضية واحدة وليس هناك انفصال ولا أولوية وكل منهما خادم للآخر، ومن الضروري أن يسيرا سويا، فلا يمكن مواجهة طغيان خارجي أو تحقيق استقلال داخلي أو تحرير إرادة سياسية داخلية أو إزاحة مخاطر عن الأمن القومي إلا إذا وجدت حركة شعبية قوية تقف حارسة بجوارها.

إن الدولة حينما تقف وحدها دون الحركة الشعبية ستفقد بوصلة حركتها وقد تخضع للضغوط الخارجية. وعلى هذه الدول أن تحسم هذا الأمر، فهل هي مع شعوبها أم مع الدول الخارجية؟

**الخطاب الإسلامي فيما يخص مقاومة الاستبداد والديكتاتورية ضعيف حتى بالنسبة لأدبيات الإسلاميين وفي التراث الإسلامي السني تحديدًا، فهل تأثرنا بالفكر القومي في مسألة أولوية حركة التحرر الوطني على مقاومة الاستبداد والديكتاتورية في بلادنا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت