فهرس الكتاب

الصفحة 8579 من 27364

-يهيأ لي أن الفكر الإسلامي السياسي الحديث والأحدث استجاب لموضوع الديمقراطية والتنظيمات في هذا الأمر، ولكن الالتباس كان بسبب الرؤية العلمانية في مسألة تطبيق الديمقراطية في بداية القرن العشرين، فلا بد فيها من أن نؤمن بسيادة الأمة، ومن الناحية الفقهية الوضعية في مسألة الأمة، فتعني سيادة الأمة عدم خضوع إرادة الأمة لأي شيء خارج عنها، ومن ضمن هذه الأشياء الدين! لكن الفكر الإسلامي تجاوز هذا الملمح العلماني، والذي حدث هو أن التيار الإسلامي بدأ يأخذ في اعتباره مسألة الديمقراطية فبدأ يصبح شعبيا أكثر منه سلطويا، وبدأ يهتم بهذا الموضوع من الناحية الوظيفية، وبدأ يشعر بأن التمييز ما بين الجانب الأيدلوجي والجانب التنظيمي مهم ويمكن الفصل بين الاثنين، فأنا لا أتخذ الديمقراطية كسياسة أمة بحيث لا تخرق سقف المرجعية الدينية، ولكني آخذها على أنها مشروع تنظيمي يحقق مبدأ القرار الجماعي والتعبير الحر للتكوينات الاجتماعية المختلفة.

فإذا قلنا مثلا بأن التجربة التاريخية الإسلامية كانت تعبر عن كثير من ذلك، فذلك لأن المجتمع الأهلي للمجتمعات الإسلامية كان ناضجا جدًا ومتنوعا وفعالا جدًا بحيث إن الدولة المركزية لم يكن لها من السلطات إلا ما يتعلق بحماية الحوزة وحفظ التوازن الاجتماعي، وبالتالي تظلم ما تظلمه ولكن تظل ضغوط التنظيمات الأهلية والطرق الصوفية وجماعات العلماء وغيرهم قوية على الدولة المركزية.

أما الدولة العلمانية الحديثة في القرن الـ19 فحينما تأسست ضربت التنظيمات الأهلية، وأنشأ النظام الوضعي تنظيمات جديدة مثل النقابات المهنية ونقابات العمال والجمعيات، وأكثر الناس استفادوا من وجود الجمعيات التنظيمات الدينية. والدراسات التي أجريت تؤكد أن الجمعيات الدينية هي الأكثر عددًا والأكثر استمرارًا، ولكن الدولة العلمانية ضربت هذه التكوينات وفرضت سيطرتها فضربت التقليدي ولم تستطع أن تجذر الحديث التي هي أساس إنشائها.

**نفهم من ذلك أن المشكلة ليست في الخطاب الإسلامي؟

-ليست هناك مشكلة من الناحية الفكرية الإسلامية وتحلها الكتابات الحديثة التي نراها للإسلاميين، المشكلة لا تكمن في بناء الفكر الإسلامي فهو ما زال الفكر القومي، ولكن المشكلة أن الخطر الخارجي له تأثير كبير؛ لأنك عندما تنشأ دولة مستقلة وطنية تواجه ألوانا من الضغوط الخارجية ومؤامرات بالداخل بحيث تكون مشتتا بما فيه الكفاية، فمثلا فيما حدث في مصر خلال فترة الستينيات ومشاكل الجنوب في السودان وما سيحدث في العراق إذا استقل لفترة، كل ذلك سيحدث نوعًا من المشاكل من ناحية المؤامرة الخارجية، بحيث إن الحلول السريعة التي تلجأ إليها الدولة تفشل وتنهزم نتيجة لتسرع الحكومات المركزية الوطنية أمام مشاكلها.

إنما يبقى أنه توجد مشاكل علينا أن نعمل على حلها والنظر في كيفية تأسيس مجتمع شعبي مستقل بدولة مستقلة وطنيًا.

**يتضح من الكلام طرح ثنائية ربما تكون جديدة في الأجندة مثل ثنائية الأصالة والحداثة والوافد والموروث، فهل هناك طرح لثنائية جديدة مثل ما يتعلق بثنائية مقاومة المستعمر والديكتاتور الذي غالبا ما يأتي به؟

-كان الفقه والفكر الإسلامي فيما يتعلق بنظم الدولة قليلا؛ لأنه ترك المسائل للحلول العملية أكثر من ضبطها في صياغتها لتؤدي إلى أمور بعينها فلم توجد مشكلة من الناحية الفكرية، إنما المشكلة في كيفية الفصل بين النماذج التي تريد أن تتبناها لقيام هذه المجتمعات وضبط فعاليتها في نمط أيديولوجي معاصر، إذن سيكون الباب مفتوحا لأي تجربة في العالم ولكن عليك بأخذ النموذج التنظيمي والفصل بينه وبين الإطار المرجعي المخالف، ويخيل لي أن المشكلة ليست فكرية وإنما هي سياسية بالأساس.

**وماذا عن الثنائيات؟

-الثنائيات موجودة بالفعل في هذا الأمر، وهي متعلقة بالإصلاح الداخلي والخارجي، وعلينا أن ننظر لهذه الثنائيات كوجهين لعملة واحدة فلا يتم الفصل بينهما فكيف تكون للديمقراطية والدفاع عن الوطن أمر واحد؟ أو مثلا كيف تكون الدولة والأمة أمرًا واحدًا؟ بالتأكيد سيحتاج هذا الأمر إلى نوع من التوازن؛ لأن الدولة طغت على الأمة وأزهقت روحها، فنحن نحتاج لقدر من التوازن وإنشاء تكوينات أخرى.

وهذه التجارب موجودة في الدول الأوروبية وأمريكا؛ فهناك هيئات ومؤسسات المجتمع الأهلي، وهي قوية وقادرة على أن تمارس الضغوط على سياساتها؛ فهذه الثنائيات تصبح نقطة ضعف إذا وضعتها كبدائل متناقضة؛ في حين أنها يمكن أن توضع في نسق لتغذي بعضها البعض، وهذه مهمتنا فكريًا وتنظيميًا وسياسيًا، وإن لم تحل الآن فسوف تجد من يتبناها في المستقبل.

ولكن عليك أن تدرك الوضع ونموذج الحل حتى ولو بشكل عشوائي؛ حتى نستطيع أن نستخلص المفيد منها ونتخلص من غير الحميد، وإذا كان جهاز الدولة والإدارة مبنيا بطريقة شبه رشيدة فستجد أن التخصصات وتقسيم العمل والقرار يتجمع بشكل جماعي، وسيوجد تداخل بين الإدارات المختلفة، ولكن كل سيتصرف مع الآخر بإدارة شعبية.

العنف أو اللاعنف.. كيف نقاوم المستعمر؟

حسام تمام

كيف نقاوم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت