هذا كله غير آثار الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل وصادرت آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين وحولتها إلى كانتونات معزولة. وآثاره المدمرة طالت أكثر من (200) قرية وبلدة وسيتم بواسطته فصل أكثر من (100) قرية وبلدة فلسطينية بشكل كامل عن أراضيها الزراعية، حتى دعا ذلك منظمة يهودية وهي منظمة (بتسليم) الحقوقية الإسرائيلية إلى استنكار انتهاكات الجدار والتحذير منها، وأشارت في تقرير لها نشر في صحيفة الدستور في 25/12/2003م أن الجدار يصادر قرابة 28 ألف دونم من الأراضي الزراعية أما عموم الأراضي الزراعية وغيرها التي يصادرها الجدار فتجاوز مجموعها في إحصاءات أخرى (164) ألف دونم.
وتكلمت (بتسليم) عن بوابات الإذلال التي أقيمت على الجدار الذي فصل بين الناس ومصالحهم ومزارعهم والطلبة ومدارسهم، ويقف عليها كل يوم المزارعون والطلبة والعمال وغيرهم طوابير طويلة مرهقة ومذلة للوصول إلى مدارسهم أو مزارعهم أو أماكن عملهم وورشهم التي حال الجدار بينها وبينهم، بل إنه شرّد كثيراً من الأسر الفلسطينية وقسم الأسرة الواحدة بين طرفيه. وكم من النساء الفلسطينيات الحوامل وضعن حملهن عند هذه البوابات وغيرها من بوابات الإغلاق أثناء انتظارهن الطويل للسماح لهن بالمرور إلى مستشفيات الولادة..
كما أضافت إسرائيل مؤخراً إلى هذا الجدار بناءها لجدار آخر يحاصر القدس ويكرس تهويدها ويحكم السيطرة اليهودية عليها..
وعلى الرغم من المعارضة الدولية للجدار ومسرحية محاكمته في المحكمة الدولية في (لاهاي) ومخالفة ذلك لقوانينهم الدولية واتفاقات جنيف الأربعة لعام 1949م التي وضعت كي تفرض على سلطات أي احتلال عدم انتهاك حقوق الإنسان وممتلكاته في البلد المحتل.. ورغم أن الأطراف المتعاقدة على الإتفاقية أكدت انطباق الإتفاقية على وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة في مؤتمريها اللذين عقدا في تموز 1999م وكانون الأول 2001م؛ ورغم ذلك فإن إسرائيل تصر على عدم الاعتراف بانطباق الإتفاقية وأحكامها على الأراضي الفلسطينية.. تماماً كما تصر أمريكا على عدم انطباق أحكام هذه الاتفاقيات المتعلقة بأسرى الحرب على معتقلي جوانتنامو!! وعلى كل ما تشتهيه وتهواه وتختاره من أفاعيل..
وهكذا هو شأنهم مع جميع الاتفاقيات والقوانين والمعاهدات الدولية؛ يشاركون في وضعها وفقاً لأهوائهم ثم يفسّرونها وفقاً لمصالحهم فيقررون انطباقها حيث يشاءون وعدم انطباقها حيث يشاءون..
ولم تعرف الأمم المتحدة في تاريخها دولة متمردة على قراراتها وقوانينها كإسرائيل والولايات المتحدة..
ووفقا للوثائق فقد صدر عن الأمم المتحدة ومنظماتها وجمعيتها ومجالسها المختلفة أكثر من (800) قرار يدين إسرائيل في قضايا مختلفة؛ كلها رفضتها إسرائيل وانتهكتها وضربت بها عرض الحائط واليوم تضرب بها عرض الجدار العازل!!
هذا عندما تصدر مثل هذه القرارات، وهو أمر نادر الحدوث، اللهم إلا في الجمعية العمومية ونحوها من أروقة الأمم المتحدة التي لا قيمة إلزامية لقراراتها؛ وإلا فالأصل أن الأمم المتحدة ألعوبة بيد أمريكا وإسرائيل.. وعلى فرض أن أمريكا أو إسرائيل واجهت في بعض الأحوال بعض القرارات أو التصويتات المزعجة في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن؛ فإن حق الفيتو الأمريكي سيكون جاهزا لاعتراض وتعطيل مثل هذه القرارات، وقد فعلت أمريكا ذلك مراراً وتكراراً..
ومع ذلك فأمريكا دولة ديمقراطية!!.. وإسرائيل أيضا دولة ديمقراطية!! كما يصرح دوماً الساسة الأمريكان ابتداء من بوش إلى أدنى مسئول في البيت الأبيض..
وآخر تصريح صدر عنهم ما قاله مساعد وزير الخارجية الأمريكية (مارك غروسمان) في لقاء مع الصحافة في السفارة الأمريكية في عمان بتاريخ 3 / 3 / 2004 م حيث أعلن أن: (إسرائيل دولة ديمقراطية وليس مستغرباً ولا مفاجئاً أن تدعم بلاده إسرائيل وهذا أمر طبيعي ولا تتردد بلاده في الوفاء بدعمها لإسرائيل!!) أ هـ من صحيفة الدستور 4 / 3 / 2004 م
لماذا دولة إسرائيل الديمقراطية!! بلا دستور!؟:
سؤال أخير أطرحه قبل أن أغادر هذا الموضع تأكيداً للتحيز الأمريكي لإسرائيل، والتلاعب بمعايير الديمقراطية وغيرها لأجل مصالحها..
تقرر القوانين والأعراف الدولية في هذا العصر أنه لا بد لكي تأخذ الدولة الطابع الديمقراطي العصري المرضي عنه دولياً أن تتخذ دستوراً يبيّن الخطوط العريضة في سياسة الحكم ويحتوي على مواد تكفل حقوق الشعب وتكفل حقوق الإنسان وتعلن عن احترام حقوق الأقليات والمرأة والطفل واحترام حرية العبادة وحق التعليم، وتبيّن طبيعة الدولة وحدودها، وتحدد طريقة ولاية الحكم جمهورياً كان أم ملكيا أم غيره.. وتحدّد مهام سلطات الدولة من تنفيذية وقضائية وتشريعية والخطوط العامة لسياساتها والمصادر المعتمد عليها في التشريع ونحو ذلك..
ويعرف الدستور عند القانونيين بأنه (أبو القوانين) لأنه يحدد الخطوط العامة لنظام الحكم ولأن سائر القوانين الفرعية تشرّع وتسن على ضوء خطوطه العامة..