فهرس الكتاب

الصفحة 8631 من 27364

وقد بيّنت في كثير من كتاباتي كفر الدساتير الوضعية وأنها وضعت واخترعت من زبالات أفكار وأهواء القانونيين وعلى نهج الدساتير الغربية ولذلك فهي تناقض الإسلام وتضاد ملة التوحيد.. وقد ضربت أمثلة على ما تحويه هذه الدساتير من كفر بواح وشرك صراح في أكثر من كتاب مما كتبته بفضل الله تعالى، انظر على سبيل المثال (كشف النقاب عن شريعة الغاب) النسخة الكويتية والنسخة الأخرى الأردنية المختصرة..

وقد بينت هناك استغناء المسلمين بدينهم واستعلائهم بقرآنهم عن أن يحتاجوا لشيء من هذه الدساتير، وإنما يحتاجها ويفرح بها ويُعظّم من شأنها من لا دين له ويمشي مكبا على وجهه أو أنه عانى من الاستبداد السياسي ولم يجد في دينه المحرف المهلهل ما يرفع عنه ذلك الاستبداد ويمنحه تلك الحقوق التي تتغنى بها هذه الدساتير..

وقد جرى الغربيون واعتادوا أن ينتقدوا الدول التي لا تتخذ دساتير معلنة ويعدون ذلك مطعناً وإهداراً لحقوق الإنسان والديمقراطية فيها.. ولذلك وبعد سقوط أفغانستان والعراق كانت القيادة الأمريكية تلح على ضرورة وضع دستور.. يحقق كما يدعون أماني الشعب ويكفل حقوق طوائفه المختلفة ويحدد السياسات العامة للنظام هنا وهناك.. وضغطت بكل قوة كي لا يكون الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع في هذه الدساتير، مع أن هذه الصيغة - كما بيّنا في كتاباتنا المشار إليها لو سمحوا وتفضلوا به على هذه الدول لا يخرج عن الشرك البواح حتى يكون (الإسلام هو المصدر الرئيسي والوحيد للتشريع) ، دعنا من هذا الآن فليس هو موضوعنا هنا وقد فصّلته وأشبعته في الكتب المشار إليها؛ ولنرجع إلى السؤال الذي توقفنا هنا لأجله..

إذا كان هذا هو العرف الدولي وهو عرف أمريكا الديمقراطية!! بالتأكيد، ولذلك تظهر المطالبة به بإلحاح في العراق وأفغانستان..

فلماذا إذن لا تطالب به إسرائيل؟ ولماذا إسرائيل منذ أكثر من نصف قرن وإلى اليوم ترفض وضع دستور محدد المعالم للدولة؟

ولماذا توصف بأنها دولة ديمقراطية رغم أنها لا دستور لها؟؟

أما الجواب الأمريكي العنصري المتحيّز على هذا السؤال فهو؛ أن إسرائيل دولة ديمقراطية، سواء أوضعت دستوراً أم لم تضع..!

أما الحقيقة فلأن الدستور يقيّد ويحدّد معالم الدولة وسياساتها وخطها ونهجها، وفي الدول التي تحكمها وتسيّرها أمريكا تتعجل فيها وتضغط عليها ولا تغادرها حتى تضع فيها دساتير تكون محددة المعالم وفق الخط والنهج والسياسات التي تريدها أمريكا ووفقا لما يناسب مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل.. ولذلك أشرف على اللجنة التي وضعت الدستور العراقي (نوح فيلد مان) اليهودي الأمريكي..!!

أما بالنسبة لحليفتها إسرائيل فالخط والنهج والسياسة بل والحدود غير محددة، ولأن إسرائيل يجب أن تبقى حرة في كل الظروف والمواقف والخيارات والتوسعات فلا داعي إذن لدستور قد يقيّد مواقفها ويحدد حدودها وتصرفاتها.. ولذلك فالجواب الإسرائيلي الصريح على هذا السؤال يقدمه لنا (ديفيد بن غوريون) .. الذي خاض سنة 1949م قبل انتخابات الجمعية التأسسية معركة من أجل عدم كتابة دستور لإسرائيل، وكان بعض العلمانيين مؤيدين لوضع الدستور، أما المتدينون فعارضوا ذلك بشدة، ورجّح كفتهم بن غوريون مع أنه محسوب على العلمانيين، وحين طرحت مسوّدة للدستور الإسرائيلي للنقاش لمدة أربعة أشهر نجح بن غوريون في أن يخرج بالاتفاق على تأجيل الموافقة على الدستور، وإلى هذه الساعة لا زال مؤجلا.. فلماذا؟؟..

يقول بن غوريون ومن يؤيده من المتدينين على عدم وضع دستور:(إن هذه الأرض الفلسطينية ما هي إلا جزء من أرض اليهود وليست كلها ولا يجوز وضع دستور لها إلا بعد أن تستكمل شروط قيام الدولة اليهودية؛ بأن تمتد مساحتها إلى ما بين نهري النيل والفرات كما يشير العلم الإسرائيلي أولاً..

وثانيا لا يمكن وضع دستور ديمقراطي حتى يشارك في وضعه كل يهود العالم وذلك عند استكمال انتقالهم وهجرتهم إلى إسرائيل..)..

إذن فسبب عدم وضع إسرائيل لدستورها؛ أن الدولة لم تأخذ شكلها النهائي بعد لا من جهة الحدود!! ولا من جهة الشعب والسكان..!!

وقد أشاد (ناحوم نيررافالكس) رئيس لجنة الدستور والتشريع القضائي (بأن أهم قرارات الجمعية التأسيسية هو إلغاء مشروع الدستور، لأن لإسرائيل أهدافاً عديدة لم تكتمل بعد، وبدون الدستور نستطيع دوما تحقيق أهدافنا شيئاً فشيئاً..)

أخيراً.. فإن أمريكا تقرر دوماً أن إسرائيل دولة ديمقراطية، رغم أنها دولة قامت على احتلال بلد آخر (لأنها في ذلك تماما كأمريكا) وتشريد شعبه وإحلال شعبها محله (مثل أمريكا) ورغم ارتكابها المجازر والمذابح والانتهاكات في كل كان (كأمريكا) ورغم أنها تضرب بعرض الحائط كل المواثيق والعهود والقرارات الدولية وغيرها (كأمريكا)

أضف إلى ذلك أنها لا دستور لها!!

فأمريكا تقرر رغم ذلك كله أن إسرائيل دولة ديمقراطية رضي العالم بذلك أم أبى..

ولذلك فأمريكا أيضا دولة ديمقراطية!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت