مرت في السنوات الأخيرة قصة أخرى بتفاعلات مختلفة أعطت معنى إضافياً للحرية الدينية في فهم أنصارها من النصارى، حينما تتعلق تلك الحرية بالدخول في الإسلام لا الخروج منه، والقصة تتعلق بامرأة مصرية مارست حقها في «حرية الاعتقاد» التي ينادي بها الغرب، وغيَّرت دينها من النصرانية إلى الإسلام بكامل حريتها وإرادتها؛ فماذا كان موقف المسؤولين وغير المسؤولين من المسلمين وغير المسلمين؟ وماذا كان موقف دعاة حرية الاعتقاد وحرية التدين.. ؟!
تبدأ القصة بمشاهدة المرأة برنامجاً في التلفزيون المصري، يتحدث عن الإعجاز العلمي في القرآن، حيث تأثرت به، وبدأت تسأل زملاءها في العمل عن هذا الموضوع الذي أهمها كمهندسة زراعية، فزودها بعضهم بإفادات ومصادر عن الموضوع، فزاد تعلقها وشغفها بالاطلاع على أسرار القرآن، وقادها ذلك إلى الهداية، وانشرح قلبها بالإسلام، فدخلت فيه سراً خوفاً من أسرتها، ومن زوجها الذي كان يعمل كاهناً في إحدى الكنائس المصرية، ولها منه ابن وابنة كلاهما جامعيان. وظلت المرأة على إسلامها سراً تصلي وتصوم وتقرأ القرآن، حتى حفظت منه سبعة عشر جزءاً، ثم عرفت ابنتها بالأمر، ومع الوقت عُرف أمرها من قِبَل أسرتها وزوجها.. وأهم من ذلك.. من قِبَل الكنيسة!
لقد كان من الممكن أن يمر الأمر كعشرات الحالات من الدخول في الإسلام سواء كان من مصريين أو أجانب، وهو ما يقره القانون المصري، إذا لم يكن عن قسر وإكراه، إلا أن المناخ الدولي المغاير، وجد من يريد استغلاله، وشاءت زعامة الكنيسة أن تصعِّد الأمر، وتصنع منه سابقة تجعل من دخول النصارى في الإسلام مشكلة، ريثما يأتي الوقت الذي يسوِّغون فيه دخول المسلمين في النصرانية بلا أي معضلة، لهذا اعتصم راعي الكنيسة في ديره حتى تُسلَّم المرأة المسلمة لكنيسته. وأخذت القضية أبعاداً خارجية، وبدأت الجاليات النصرانية المصرية في الغرب تولول على المرأة التي يمكن أن يفتح إسلامها الباب أمام المزيد من الدخول في الإسلام، باعتبار أن زوجها الكاهن لم يفلح في إقناعها بالردة عن الإسلام.
لقد تفاعلت الأحداث بابتزاز داخلي، وضغط خارجي، حتى سُلّمت المرأة للكنيسة دون أن تقوم لنصرتها حملة عالمية ولا محلية رسمية ولا شعبية، حتى أعلن النائب العام المصري بعد مدة من الحجز الكنسي (خارج إطار القانون) أن المرأة عادت إلى النصرانية ولم يبين كيف ولماذا؟!
إلى هنا انتهت قصة المرأة التي أسلمت ثم أُجبرت على التنصر، والتي وإن انتهت حكايتها كقصة مأساوية، إلا أنها لم تنته كقضية اعتقادية، تماماً مثل قضية الأفغاني المرتد عن الإسلام، التي يمكن أن تكون قد انتهت كقصة محلية، لكنها لن تنتهي كقضية دولية.
ولنا على القصتين أو القضيتين وقفات وتعليقات:
أولاً: ما حدث في أفغانستان، قابل لأن يتكرر في أي مكان من العالم الإسلامي، يرتد فيه شخص أو عدة أشخاص عن الإسلام، وسيفتح هذا باب التشجيع لكل من أراد أن يكون محوراً لحديث العالم واهتمام الغرب واحتفائه وتكريمه، والمشكلة هنا ليست في تعطيل حد الردة، فهو معطل منذ زمن، ولكن في إباحة تلك الردة وإتاحتها في ظل حماية قانونية محلية عالمية.
ثانياً: كل الحجج والمسوِّغات التي استند إليها الغرب في القيام بحملته ضد حكم الردة في الإسلام (مع أنه لا يُطبق أبداً) يمكن أن تستخدم ويُستند إليها في بقية أحكام الشريعة في الجزاءات المتعلقة بجرائم شرب الخمر والسرقة والزنا والفواحش، وغيرها من الكبائر التي تجرِّمها وتحرِّمها الشريعة، وهذا مكمن خطر مستقبلي، ومدعاة لتكرار الحملة الدولية على شريعة الإسلام في وقائع أخرى وأحكام أخرى، بذرائع مشابهة مثل: «الحرية الشخصية» .. «قسوة العقوبة» .. «ضرورة الاحتكام إلى قوانين لا دينية مدنية» .
ثالثاً: هناك حملة قادمة ضد الدساتير في العالم الإسلامي لحذف كل ما يتعلق بالشريعة منها برغم علمانيتها، والدستور الأفغاني في ظل الاحتلال، قد أشرف الأمريكيون على صياغته؛ بحيث يستبعد حاكمية الشريعة بالمرة، إلا أن بعض «الثغرات» التي تشير إلى «احترام الشريعة» من الناحية الشكلية بقيت، فثارت على أثرها هذه الضجة الدولية، وطالب الثائرون بعد حادثة المرتد بـ «تنقية» الدساتير في العالم الإسلامي من أية إشارة إلى الشريعة، وعلى هذا فإن هذه الدساتير التي وضعت، والتي ستوضع أو تعدل، ستظل قنابل موقوتة، تتفجر كلما طالبت جماهير الأمة بحقها وواجبها في الاحتكام إلى شريعة الإسلام الذي تدين به.
رابعاً: أي سيادة للدول تبقى، وأي إرادة واستقلال للشعوب يصدُق، عندما يصل «القهر الديمقراطي» ، إلى حد إجبار الحكومات على تعديل دساتيرها وتسليم رعاياها لدول أجنبية في الخارج، أو لأقليات متسلطة في الداخل، حيث يُجَرَّمُ بريء، أو يُبَرَّأُ مجرم؟ وهل نحن دخلنا بالفعل في عصر «الحكومة العالمية» التي لا تعترف إلا بمن يعترف بسيادتها وقيادتها وشريعتها؟