فهرس الكتاب

الصفحة 9848 من 27364

وأتضح أن معظم الذين اهتموا بدراسة فلسطين وزاروها هم ضباط ملكيون بريطانيون أمثال الكابتن تشارلز وراين، وكلود رينيه كوندر، والملازم كتشنر وغيرهم، وقد جاؤوا إلى فلسطين برعاية ملكية بريطانية خاصة، وبسماح من السلطات العثمانية التي كانت فلسطين آنذاك جزءاً من الدولة العثمانية.

نشر الكابتن تشارلز وارين كتاباً أسماه"الأرض الموعودة"، نادى فيه بضرورة تطوير فلسطين على يد شركة الهند الشرقية بقصد تسريب عناصر يهودية إلى فلسطين للتمهيد لإقامة دائمة لهم، ومن ثم تأسيس كيان لهم.

وحين نطالع ما كتبه هذا الكابتن في كتابه نرى أنه لا يختلف مطلقاً عما كتبه هرتزل في يومياته، أو ما كتبه المنظرون الصهاينة حول أرض الميعاد - فلسطين -، يقول مثلاً (من المرجح أن يتبادر إلى الذهن في الحال: ماذا يحدث لعرب فلسطين؟ وأجيب متسائلاً: من هم العرب؟ إنهم ليسوا سوى أتراك بالتأكيد، ومعظمهم ليس من عرب الجزيرة العربية أو من الصحراء، من هم إذن؟ لقد أصبح معروفاً منذ زمن طويل كما يؤكد المسيو كلير مونت غانو عالم الساميات والآثار الفرنسي بأن سكان فلسطين ينتمون إلى عرق خليط، بعضهم يتحدر من الكنعانيين والإسرائيليين والإغريق والرومان والعرب والصليبيين، وقد يعتنقون الآن الديانة الإسلامية والمسيحية حسب الظروف، لكنهم يحافظون قبل كل شيء على التقاليد القديمة، نعم وفي بعض الحالات لا يساورني أدنى شك بأنهم يحافظون على ديانتهم القديمة الحقة ) .

وما بين عامي 1848 ـ 1910 جاء إلى فلسطين عالم الجغرافيا الاستشراقي كوندر، وقد ظهر له عدة كتابات عن طبوغرافية غرب فلسطين، وكتاب"المرشد إلى التوراة"، وفي كتبه حاول تعيين مواقع الأسماء الوارد ذكرها في التوراة، ورسم حدود أسباط بني"إسرائيل"، وقام بقراءة النقوش الأثرية، وفك رموزها. وعلى ضوء ما قام به رسمت خرائط لفلسطين، ساعدت جنرال اللنبي حين زحف على فلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى، وتشير كتابات المستشرق الجغرافي كوندر أنه كان من غلاة الصهيونية المسيحية، وقد نشر كتاباً عنونه بـ"يهوذا المكابي وحرب الاستقلال اليهودي"ثم أصدر كتاباً بعنوان"مدخل إلى جغرافية الكتاب المقدس"، وفي عام 1892 ألقى محاضرة بعنوان"فلسطين الشرقية"على أعضاء الخيمة الغربية التابعة لأحباء صهيون التي سارعت إلى نشرها، وقد اعتز الصهاينة اليهود بما قدمه كوندر من خدمات للحركة الصهيونية خاصة تلك الخرائط الطبوغرافية المتعلقة بفلسطين.

والواقع أن أمريكا والمستشرقين الأمريكيين لعبوا نفس الدور الذي لعبه الإنجليز، فمنذ 1870 تأسست الجمعية الأمريكية للتنقيب بفلسطين على نمط المنظمة الإنجليزية وقد تولت مسح منقطة شرقي الأردن.

ولقد لعب الاستشراق الألماني دوراً مهماً وبارزاً في التركيز على فلسطين، واكتشاف آثارها، ومقارنة تلك الآثار بما ورد في التوراة، ومن أشهر المستشرقين الألمان في هذا المجال المدعو كارستن نيبور، واولريش زيتسن، ولودفيغ موركهارت.

ولعل أخطر من في حركة الاستشراق الغربية بشكل عام هي أن الجامعات - وخاصة الألمانية - لا تدرس إلا علم الآثار التوراتي، والذي يتطلب دراسة اللغة العبرية لمدة عشر سنوات، ومن إفرازات حركة الاستشراق أن عدداً من المستشرقين المهتمين بدارسة أرض فلسطين اتجهوا نحو دراسة التراث الشعبي الفلسطيني ليربطوه ببعض مقولات التوراة، والقصص الشعبي اليهودي، ومن هؤلاء المستشرقة الفنلندية هيلما جرانكفست، فهذه المستشرقة التي جاءت إلى فلسطين في أوائل القرن العشرين جمعت آلاف البطاقات والأوراق المدون فيها كل ما يتعلق بالتراث الشعبي الفلسطيني من لباس، وأغنية، وعادات، وتقاليد، وقد مارست مع الفلاحين في منطقة بيت لحم وقرية ارطاس تحديداً حياتهم، فكانت تذهب مع الحصادين، وتدون أغانيهم وعاداتهم وتقاليدهم.

والملفت للنظر أن هذه المستشرقة دونت هذا التراث بالنطق الفلسطيني، وبالحرف الفنلندي، وقد صرحت نفسها بأنها جاءت إلى فلسطين لكي تدرس العلاقة بين التوراة والتراث الفلسطيني، وبعد أن مكثت عشر سنوات في فلسطين خرجت بقناعة أن لا علاقة بين التوراة وهذا التراث، وأن المزاعم اليهودية ما هي إلا أباطيل يجب دحضها، وما زالت آلاف النسخ والبطاقات والأوراق التي دونتها المستشرقة موجودة في هلسنكي عاصمة فنلندا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت