هناك ترجمات كثيرة لمعاني القرآن الكريم قام بها المستشرقون وهي تزيد على خمس وسبعين ترجمة، ونحن لا نعرف هذه التراجم، بل لا تكاد تجتمع في مكتبة من مكتبات العالم الإسلامي - وهذا بلا شك تقصير كبير -، إننا لا نعرف ماذا يكتب عنا، وكيف يترجم كتاب الله - تعالى -، وماذا يقال في تصديره للعالم الغربي، لابد أن نمثل أنفسنا وخاصة بعد أن أصبح عندنا العديد من المثقفين والكتاب ممن يعرفون اللغات الأجنبية، يجب أن نتكلم عن أنفسنا، ولا ندع المستشرقين يتكلمون عنا ويمثلوننا.
يقول جورج سيل في مقدمة الترجمة الإنكليزية لمعاني القرآن الكريم سنة 1736 م:"أما أن محمداً كان في الحقيقة مؤلف القرآن والمخترع الرئيسي له فأمر لا يقبل الجدل، وإن كان من المرجح مع ذلك أن المعاونة التي حصل عليها من غيره في خطته هذه لم تكن معاونة يسيرة، وهذا واضح في أن مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك، يشير إلى آيات القرآن (إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون) ، وقول الحق - تعالى: (إنما يعلمه بشر) ، المقصود أن هذه مقدمة لترجمة لمعاني القرآن إلى الإنكليزية، وهي من أقدم الترجمات!!."
هناك دراسة لمالك بن نبي وهي"الظاهرة القرآنية"، وفيها مناقشة دقيقة ومنطقية لما قيل من تشابه بين القصص الديني القرآني والقصص الديني التوراتي.
وينبغي أيضاً أن نلاحظ أن تمثيل الاستشراق للإسلام وللمسلمين بالنسبة للغرب ينعكس على قضايانا السياسية، وعلى علاقاتنا مع الغرب، حيث يتصور الرأي العام الغربي أننا أمة همجية، وأننا برابرة كما تزعم كثير من الدراسات، وأننا لا نمتلك مقومات حضارية، ولا نمتلك عقلية منطقية، ولا نفكر في المستقبل، هذا كله يمكن أن يؤدي إلى مشكلة في نطاق العلاقات السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والصراع بين الشرق والغرب، لذلك فإن قيامنا بتمثيل أنفسنا هو الحل الأمثل، نحن الذين نطرح فكرنا وديننا وعاداتنا لكنه ينبغي أن نعترف أننا حتى الآن لم نمثل أنفسنا أمام أنفسنا، أقصد لازلنا ندرس الإسلام، ولازلنا ندرس أوضاع المسلمين، وندرس شرائح كثيرة تاريخية، وجغرافية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية؛ من خلال الدراسات الغربية والاستشراقية، وأن مناهج جامعاتنا في أرجاء العالم الإسلامي مليئة بمثل هذه الكتب، وحتى تلك الكتب التي ألفها عرب لو قارناها بدقة فإننا سنجد أن كثيراً من الأفكار مترجمة دون عزو عن الاستشراق.
فلابد إذاً من أن نبني صرحنا الثقافي الفكري الديني بأنفسنا، وأن تكون دراستنا مستقلة ذات مناهج مستقلة، ورؤى مستقلة، وأن هذا الذي يطرح لا يكون متأثراً وغارقاً في بؤرة الاستشراق، أن نمثل أنفسنا أولاً عن طريق بناء الصرح العلمي والرؤى الإسلامية الخالصة المنبثقة عن كتاب الله - تعالى - وسنة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم أن نعكس هذا على الغرب بترجمات إلى اللغات العالمية المختلفة، لكن الذي حدث أن المستشرقين مثلونا أمام الغرب، وبعد أن شوهوا الصورة تماماً خلال قرنين من الزمان وعادوا إلى عكس الصورة، فبدل أن يكون الإنشاء يخاطب به الغربي باللغة الألمانية أو الفرنسية أو الإنكليزية صار الخطاب - بعد الترجمة للعربي وللمسلم الذي يقرأ العربية أو بعض اللغات الإسلامية الأخرى، إذن عكس الخطاب الذي شوّه الصورة أمام الغربي، بحيث قبل أن نُستعمر"لأننا بحاجة إلى الاستعمار، قبِل أن نُخترق لأننا لا نستطيع النهوض بأنفسنا، ولئلا نبقى بعيدين عن الحياة الطيبة التي لا بد أن تكون ثمرة من ثمرات الاستعمار وخيراته علينا!!".
وتعكس الصور منذ مطلع القرن العشرين إلى الآن بشكل ترجمة إلى لغاتنا، فتحول الخطاب القديم إلى الأوربي إلى خطاب جديد للمسلم، وبنفس الأفكار والتوجيهات التي تولِّد الشك في نفس المسلم.
أولاً: لأن التربة صالحة لبذر أية فكرة، فلا توجد تربية إسلامية موجهة لكل أبناء العالم الإسلامي ولأجياله الصاعدة، ولا يوجد تغذية بالقرآن والسنة ومفاهيم الإسلام بشكل يحصن الشاب المسلم عن تقبل مثل هذه الأفكار.
ثانياً: هذا الخطاب يحطم الأمة لأن المعنوية التي تأتيها من صلتها بالقرآن، بالوحي الإلهى كتاباً وسنة، واستشعارها بأنها الأمة الوحيدة التي تحمل وحياً إلهياً خالصاً من التحريف، هذا الاستشعار يمكن أن يعيدها إلى مجد حضاري جديد، والمجد الحضاري الجديد معناه وقف المصالح للعالم الغربي، معناه توجه المنطقة توجهاً مستقلاً يحفظ كرامتها وشخصيتها وهويتها الإسلامية وثقافتها التاريخية وتطلعاتها نحو مستقبل أفضل.