قبل ثلاثة عقود في المرحلة الجامعية كان الأستاذ يتكلم بلسان الآخرين، وطبعاً هناك أناس متدينون في القاعة، ولازالت الطينة بصورة عامة فيها بقايا خير كثير، ولازالت لم تتسخ كثيراً، من الصعب أن يقول الإنسان ائتمر أبوبكر وعمر وأبو عبيدة على انتزاع الخلافة، ولكن يستطيع أن يقول ذلك على لسان الأب"لا مانس"، ويسوق هذا الكلام ثم يسكت، والمهم أن الصورة التي تكونت في أذهان الطلبة الجامعيين أن هؤلاء الصحابة أناس يأتمرون بينهم على انتزاع سلطة وخلافة دنيوية، وأنهم ليس كما يقول المسلمون عنهم من كونهم ربوا على عين النبوة، ونشأوا مع آيات الوحي، وتمثلوها قولاً وعملاً، وبما أنهم نماذج الإسلام الأولى فلا يعقل أن آخرين سيأتون بعدهم يصبحون نماذج أفضل، وهكذا فإن الإسلام ليس ديناً واقعياً يربى رجالاً نظيفين وأقوياء وإنما مجرد خيال ومثاليات.
كم أُثني على"توماس كارليل صاحب الأبطال الذي ترجم إلى العربية، إنه جعل النبي بطلاً تاريخياً، وأنه مستشرق منصف، والآن اقرأوا فقرة من كلام كارليل عن القرآن، يقول:"هو خليط مهلهل مشوش، محل خام، مستغلق، تكرار لا نهاية له، وإسهاب وإطناب ومعاضلة، خام إلى أقصى الدرجات، ومستغلق وبإيجاز غباء فارغ لا يطاق". هذا الكلام نقله إدوارد سعيد - وهو أستاذ جامعي أمريكي نصراني من أصل عربي - نقله عن كارليل في كتابه"الاستشراق"، وكتاب"الاستشراق"هذا يعد من أقوى ما كتب في فضح المستشرقين، ومناهجهم، وتعريتهم، ووضعهم في الإطار الكلي من قبل رجل ليس مسلماً ليقال إنه يتعصب للإسلام وللمسلمين، وإنما هو رجل نصرانى، ومنذ أن كُتب هذا الكتاب وصُدِّر إلى أسواقنا بالعربية سنة 1981 م تتالت كتابات مسلمين أستثيروا، فظهرت عدة دراسات أثارت نفس القضايا الكبرى سواءً ما تعرض له إدوارد سعيد، أو أخذت نماذج من الاستشراق كالهولندي، كما فعل الدكتور قاسم السامرائي في"الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية"، وكما فعل الدكتور زقزوق في محاضرته التي نشرت في سلسلة كتب مجلة"الأمة"عن الاستشراق، وثمة كتاب يستحق أن يشار إليه وهو"مناهج المستشرقين"الذي طبعه مكتب التربية لدول الخليج العربي والذي يقع في مجلدين تحت عنوان"مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية"فلا شك أن هذا الكتاب يعد عملاً نقدياً رائعاً في مجاله، ولكن الكُتَّاب لم يتمكنوا أن يقولوا كل ما يريدون لأنهم كتبوا بحوثاً ومقالات اجتمعت في المجلدين، والأمر يحتاج إلى جهد أكبر ليُفحص كلام الاستشراق، وكيف طُرح على الغرب، وكيف تكونت صورة العربي والمسلم في ذهن الغربي المعاصر، ثم إذا ما عُدِّل المخاطب أو المراد بالخطاب إلى الشرقي المسلم العربي ما الذي سينتج بعد ربع قرن إذا ترجم ستون ألف كتاب أو عشرون ألف منها إلى لغات العرب والمسلمين."
لا ينظر إلى الأمر من زوايانا ونحن ندرس في كلية قرآن، وكلية حديث، وكلية شريعة، وكلية لغة عربية، لا ينظر الأمر من هذه الزاوية، وإنما ينبغي أن ننظر برؤية واسعة إلى العالم الإسلامي، إلى تلك الأجيال التي تعد بالملايين والتي لا تعرف عن الإسلام إلا الشهادة وإلا بعض المظاهر العامة، ماذا لو نوقشت قضية الوحي الإلهي، وتطبيقات علم النفس التحليلي عليه؟ ألا يتسرب الشك إلى عقل خال وليس عنده من تصور لقضية الوحي الإِلهي؟ بالطبع ليس معنى ذلك أن هذه القضية هي من بنات أفكار هذا القرن، نعم إن استخدام التحليل النفسي هو من أفكار القرن لارتباطه بعلم معين، أو فرع معين من فروع علم النفس، ولكن قبل ذلك ماذا قيل؟ قيل إن النبي - عليه الصلاة والسلام - يُصْرَع، ولكن المستشرقين الذين تأخروا لما درسوا ظاهرة الصَّرَع من الناحية الطبية وجدوا أن الدعوى لا يمكن أن تقبل لأن المصروع يفقد عقله، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان على أتم اليقظة والوعي واستحضار العقل بل شدة التركيز، بحيث قال له الله - تعالى - ألا يفعل ذلك إشفاقاً عليه (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتَّبِع قرآنه ثم إن علينا بيانه) ، وعده الله - تعالى - بأن يجمع ذلك له، بأن يُحفظهُ إياه دون هذا التركيز العقلي المشدود، فأين هذا من حال المصروع؟ فالمصروع كما نعلم يهذي لكنه لا يأتي بقرآن مبين، لا يتناقض إطلاقاً، وعدم التناقض إطلاقاً ليس إلا من صفات الله - سبحانه وتعالى-، ولذلك قال الحق: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) .
أيضاً قالوا لنا بأن"جوستاف لوبون"الفرنسى الذي كتب"حضارة العرب"رجل حصيف، ورجل عادل، وهو يثني على العرب وحضارتهم، وكتابه هذا اعترف بمكاننا، ولكنهم لم يقولوا لنا ماذا يقول جوستاف لوبون عن القرآن، يقول:"ليس في عامية القرآن ولا صوتيته أو هويته الصبيانية التي هي من صفات الأديان السماوية ما يقاس بنظريات الهندوس"، يعنى لوبون يرى أن القرآن الكريم في لغته، وفي أفكاره؛ لا يرقي إلى الهندوسية، ثم ينكر شمولية القرآن، ويرى أنه مؤقت لعصره، وأنه لا يحقق حاجات الفرد في عصور لاحقة بل يجعله سبب تخلف المسلمين.