فهرس الكتاب

الصفحة 9884 من 27364

وفي القرن الثامن عشر قسم المستشرقون حقول الدراسات الشرقية بصورة موضوعية، وفي نهاية القرن برز الأمير كايتاني (1869 - 1926 م) ، وميور (ت 1905 م) ، وشبرنجر Sp r enge r (ت 1893 م) وكانوا مهتمين بتاريخ السنة، واعتقدوا الشك في صحة الأحاديث، وسعوا للكشف عما أسموه"المادة الأصلية للحديث"، أفاد من الثلاثة أحد المتضلعين بأصول اللغات السامية والتاريخ الإسلامي هو إجناس جولد تسيهر (1850 - 1921 م) الذي درس بالأزهر، وهو مجري الجنسية، يهودي الديانة، وقد اعتبره المستشرقون - ومن تأثر بهم - الرائد الأول في دراسة الحديث ونقده بالاستعانة بمنهج النقد التاريخي، حيث توصل إلى فكرة تطور الأسانيد والمتون في الفكر الإسلامي، ولا شك في أهمية تأثيره على سير الدراسات الاستشراقية في حقل السنة، ويرى أن وضع الحديث بدأ في جيل الصحابه المبكر، وإن كان يثبت وجود مادة أصلية، فهو يعترف بوجود أحاديث مكتوبة في الصحف في أيدي الصحابة، لكنه رغم ذلك يرى أن التدوين للسنة لم يبدأ إلا في القرن الثاني، وأن معظم الأحاديث - في رأي جولد تسيهر - وضعتها الفرق السياسية الكلامية والمذهبية في القرنين الثاني والثالث، لذلك هي تعكس تطور المسلمين السياسي والفكري خلال القرنين ولا تمت غالباً إلى القرن الأول بصلة، ويركز على الصراع بين الأمويين الذين يصورهم بصورة الطغاة الجهلة وبين العلماء الأتقياء وأنصار أهل البيت، ويتهم الزهري بوضع حديث"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"، وقد عزا جولد تسيهر أصول الإسلام إلى اليهودية والمسيحية، وأكد على تأثير الهلينية في تطور الإسلام، وتأثير القانون الروماني في نمو التشريع الإسلامي.

لقد صارت دراساته دستوراً للمستشرقين من بعده، وقليل منهم انتقد بعض آرائه أو عدَّل فيها مثل فيوك Fueck (ت 1939 م) ، وهوروفتس Ho r ovitz (ت 1931 م) ، أما الأكثرية الساحقة فاكتفوا بتعميق آرائه بإضافة براهين جديدة أو تعميمها على حقول جديدة مثل كيوم، ونيكلسون، وهاملتون كب، وواط، وفنسنك (ت 1939 م) .

وقد ركز فنسنك على أحاديث العقيدة في كتابه العقيدة الإسلامية، في حين ركز جوزيف شاخت (ولد 1902 م) على أحاديث الأحكام في كتابه أصول الشريعة المحمدية وكتابه الآخر مقدمة في الفقه الإسلامي - وهو يهودي الديانة بريطاني الجنسية -، وقد أكد شاخت على اختلاق الأحاديث، وأثنى كيب وسافوري على كتابه، واعتبره كيب أساساً لكافة الدراسات في الحضارة الإسلامية والتشريع الإسلامي في الغرب - على الأقل -، في حين عده سافوري من أكبر علماء الشريعة الإسلامية في العالم.

وقد درس شاخت في مؤلفه (أصول الشريعة المحمدية) كتابي"الموطأ"لمالك، و"الأم"للشافعي، ثم عمم نتائج دراسته على كتب الحديث والفقه الأخرى، فقال بنظرية"القذف الخلفي"لتفسير تطور الأسانيد، وتتلخص آراؤه في زعمه اختلاق الجزء الأكبر من الأسانيد، واعتقاده أن أقدم الأحاديث لا يرقى إلي ما قبل سنة 150هـ، وأن الأحاديث اختلقها الفقهاء وأصحاب الفرق، وأن الشافعى هو الذي استحدث مبدأ حجية السنة، وكان العمل قبله على السنة المذهبية، وقد كان أثره كبيراً على جيله من المستشرقين.

لقد طعن شاخت في سند مالك عن نافع عن ابن عمر بأن نافعاً مات ومالك صغير وهذا خطأ، فمالك كان صاحب حلقة في مسجد المدينة في حياة نافع، وقد رد روبسون على شاخت في هذا السند في مقاله"الإسناد في الحديث النبوي"، وفي هذه المقالة عدل عن آرائه التي تابع فيها شاخت عندما نشر بحثه، حيث كان يشك في جملة الأحاديث، ويرى أن ما يمكن عزوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو القرآن وحده، والملاحظ أن كيوم وواط وروبسون كلهم من رجال الكنيسة.

وقد ظهر توجه نحو دراسة موارد الحديث، ونقد بعض وثائقه عند روبسون (ولد 1890 م) الأستاذ في مانشستر منذ سنة 1949 م، وقد أثبت أن ثمة مادة أصلية من الأحاديث خلافاً لما ذهب إليه شاخت ومن قبله جولد تسيهر، كما أنه لم يوافق كايتاني وشبرنجر (1813 - 1893 م) في القول بأن أسانيد عروة بن الزبير (ت 93 هـ) مختلقة ألصقها به المصنفون المتأخرون.

لقد أشار شبرنجر (ت 1893 م) إلى تعاسة نظام الإسناد، وأن اعتبار الحديث شيئاً كاملاً سنداً ومتناً قد سبَّب ضرراً كثيراً وفوضى عظيمة، وأن أسانيد عروة مختلقة ألصقها به المصنفون المتأخرون، وكذلك مقاله"أصول تدوين الوثائق عند المسلمين"، ولكنه أثبت تدوين الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتماد على كتاب"تقييد العلم"للخطيب، وهذا ما خالفه فيه جولد تسيهر فيما بعد.

أما ميور معاصر شبرنجر فينتقد طريقة اعتماد الأسانيد في تصحيح الحديث لاحتمال الدس في سلسلة الرواة، ورغم أنه مثل شبرنجر أقر بأن ثمة مادة أصلية في الحديث لكنه اعتبر نصف أحاديث صحيح البخاري ليست أصلية، ولا يوثق بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت