فهرس الكتاب

الصفحة 9937 من 27364

ونظرة أخرى إلى واقعنا المعاصر وما جرى فيه من تعطيل لشرع الله عز وجل - ومن ذلك الجهاد في سبيل الله - ترينا كيف حلَّ بالمسلمين من الفرقة والتحزب والاختلاف بين المسلمين حيث انشغل بعضهم ببعض• وما ذاك إلا من الانحراف عن المنهج الحق وتعطيل هذه الشعيرة العظيمة وما ترتب عليها من تسلط الكفار على بلاد المسلمين وتأجيجهم نار الخلاف والفرقة والتحريش بين المسلمين، وهذه سنة الله عز وجل في كل من أعرض عن شرعه سبحانه ونسي حظًا مما ذكر به قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (المائدة:14)

التربية الجهادية

وجوانب الإعداد للجهاد في واقعنا المعاصر

بعد أن تعرفنا في المقدمات السابقة على معنى الجهاد العام والخاص، ومراتبه ومراحله، وغايته وأنواعه، وفضائله والمخاطر التي تترتب على تركه؛ يحسن بنا الآن أن ندخل إلى صلب موضوعنا؛ ألا وهو ذكر المجالات المختلفة للتربية الجهادية ووسائل الإعداد لذلك، والذي هو الدافع إلى كتابة هذا البحث، وذلك بعد ما رأيت من نفسي ومن كثير من العاملين في مجال الدعوة إلى الله عز وجل من التقصير الكبير في إعداد النفس للغزو والجهاد في سبيل الله تعالى، وما صاحب ذلك من الترف والركون إلى الدنيا والميل إلى زهرتها وزينتها• وقبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع أرى أنه لا بد من توصيف سريع لواقع المسلمين اليوم في ضوء المقدمات السابق ذكرها في الصفحات المتقدمة•

فأقول وبالله التوفيق:

-إن المسلمين اليوم يقاسون من الذلة والمهانة وتسلط الأعداء والغثائية الشيء العظيم؛ وما ذلك إلا من الإعراض عن الدين وحب الدنيا وترك الجهاد قال صلى الله عليه وسلم (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهْنَ) قالوا: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت) (87) ، ومن ذلك أيضاً حديث العينة السابق ذكره (88) .

-يواجه المسلمون اليوم في بعض الأقطار احتلالاً وغزوًا عسكريًا في عقر دارهم، وغزوًا فكريًا وأخلاقيًا في كل ديارهم، وساعد الأعداء في ذلك بطانة السوء والمنافقين من أبناء المسلمين الذين ربوا على عين الغرب وتسلطوا على أزمة الحكم في أكثر بلدان المسلمين وحكموا بقوانين الشرق والغرب ورفضوا الحكم بشرع الله عز وجل، ووالوا أعداءه وعادوا أولياءه•

-وفي ظل هذه الظروف لم يترك الله العزيز الرحيم الحكيم العليم هذا الغزو العسكري أو الفكري بلا مدافعة؛ بل اصطفى من عباده المؤمنين طائفة تقوم بالحق وتدافع الباطل على ضعفها وقلة إمكانياتها؛ وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم (لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) (89) .

وهذه الطائفة منتشرة في الأرض ومتنوعة المهام فمنهم العلماء الربانيون الذين يصدعون بالحق ويعلمون الناس أمور دينهم•

ومنهم المربون والدعاة الذين يدعون الناس إلى الخير ويحذرونهم من الشر، ويجوبون القرى والمدن لنشر التوحيد والخير بين الناس، ويستخدمون في ذلك جميع الوسائل المتاحة التي تساعد على ذلك من: المحاضرات والندوات، والدورات الشرعية، والتأليف، والأشرطة النافعة، إلى غيرها من الوسائل•

ومنهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر الذين يحتسبون على الناس ويغيرون المنكرات بقدر استطاعتهم•

ومنهم المرابطون على الثغور الذين يجاهدون العدو الكافر الذي استحل ديار المسلمين ويدافعونه بقدر استطاعتهم• ومع وجود هذه الفئات التي تقوم كل واحدة منها بنوع من أنواع الجهاد إلا أن الفساد والباطل والغزو العسكري والفكري أكبر بكثير من جهد وإمكانات هذه الفئات، وقد تخلو بعض ديار المسلمين من هذه الفئات تمامًا•

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت