أما القول بأنهم يسعون بطرحهم هذا إلى تجنيب أنفسهم البلاء والعناء، فلا شك أن السلامة والعافية مطلوبان، لكن الابتلاء والتمحيص سنة من سنن الله عز وجل في عباده وبخاصة الدعاة منهم والمجاهدين، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد:31) . وقال تعالى: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:1-2) .
وإن جهاد النفس، والبيان للناس ليس أمرًا هينًا• وأصحابه معرضون لأذى الأعداء وسجونهم وتعذيبهم؛ لأن جهاد البيان يقتضي بيان الحق، وفضح ما يضاده من الباطل، وهذا أمر لا يرضى به الكفار والمنافقون ومن ثم سيجندون وسائلهم المختلفة من تشويه، وترغيب وترهيب، وكل ما يستطيعون لإخماد صوت الحق وإسكات أهله• وهذا كله بلاء وفتنة يتعرض لها الدعاة الذين يعدون أنفسهم وأمتهم للجهاد، وليكون الدين كله لله•
وإن مما يؤسف له أن الخطاب الدعوي اليوم يفتقد إلى البلاغ المبين، بل إن كثيراً منه يعطي الشرعية للطاغوت إما ضمناً وهو الأكثر وإما تصريحاً؛ ولا يخفى ما في ذلك من التلبيس•
والواجب على رموز الدعوة أن يبينوا الحق والباطل للناس ويتجنبوا الخطابات السياسية التي تشوش وتلبس على الناس فهذا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما سأله النجاشي عن قولهم في المسيح كان البيان منه واضحًا صريحاً• وكان هذا الجواب منه يمكن أن ينهي وجود المسلمين معه في الحبشة• لكن جعفرًا وأصحابه رضي الله عنهم قد تعلموا من مدرسة النبوة أن لا تنازل عن الثوابت والمحكمات حتى في مرحلة السلم والاستضعاف•
ويحسن بهذه المناسبة إيراد ما ذكره الإمام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في أهمية وفضل جهاد البيان، وذلك في كتابه العظيم"منهاج السنة"وهو يرد على شبهة الرافضي في أن عليًا رضي الله عنه قد سبق الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في الشجاعة والجهاد في سبيل الله عز وجل• حيث أوضح - رحمه الله تعالى - عكس ذلك بقوله:
"ومما ينبغي أن يُعلم أن الشجاعة إنما فضيلتها في الدين لأجل الجهاد في سبيل الله، وإلا فالشجاعة إذا لم يستعن بها صاحبها على الجهاد في سبيل الله، كانت: إمّا وبالاً عليه، إن استعان بها صاحبها على طاعة الشيطان، وإما غير نافعة له، إن استعملها فيما لا يقرّبه إلى الله تعالى•"
فشجاعة عليّ والزبير وخالد وأبي دجانة والبراء بن مالك وأبي طلحة، وغيرهم من شجعان الصحابة، إنما صارت من فضائلهم لاستعانتهم بها على الجهاد في سبيل الله؛ فإنهم بذلك استحقّوا ما حمد الله به المجاهدين•
وإذا كان كذلك، فمعلوم أن الجهاد منه ما يكون بالقتال باليد، ومنه ما يكون بالحجّة والبيان والدعوة•
قال الله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) (الفرقان:51-52) فأمره الله سبحانه وتعالى أن يجاهد الكفّار بالقرآن جهادًا كبيرًا• وهذه السورة مكيّة نزلت بمكة، قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبل أن يُؤمر بالقتال، ولم يؤذن له• وإنما كان هذا الجهاد بالعلم والقلب والبيان والدعوة لا بالقتال• وأما القتال فيحتاج إلى التدبير والرأي، ويحتاج إلى شجاعة القلب، وإلى القتال باليد• وهو إلى الرأي والشجاعة في القلب في الرأس المطاع أحوج منه إلى قوة البدن• وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما مقدّمان في أنواع الجهاد غير قتال البدن•
قال أبو محمد بن حزم:"وجدناهم يحتجون بأن عليًا كان أكثر الصحابة جهادًا وطعنا في الكفّار وضربا، والجهاد أفضل الأعمال• قال: وهذا خطأ، لأن الجهاد ينقسم أقساما ثلاثة: أحدها: الدعاء إلى الله تعالى باللسان• والثاني: الجهاد عند الحرب بالرأى والتدبير• والثالث: الجهاد باليد في الطعن والضرب• فوجدنا الجهاد باللسان لا يلحق فيه أحد بعد صلى الله عليه وسلم أبا بكر ولا عمر• أما أبو بكر فإن أكابر الصحاب أسلموا على يديه، فهذا أفضل عمل، وليس لعليّ من هذا كثير حظ• وأما عمر فإنه من يوم أسلم عزّ الإسلام وعُبِدَ الله علانية، وهذا أعظم الجهاد• وقد انفرد هذان الرجلان بهذين الجهادين اللذين لا نظير لهما•"
وبقي القسم الثاني، وهو الرأي والمشورة، فوجدناه خالصاً لأبي بكر ثم لعمر•