بقي القسم الثالث، وهو الطعن والضرب والمبارزة، فوجدناه أقل مراتب الجهاد ببرهان ضروري، وهو أن رسول ا صلى الله عليه وسلم لاشك عند كل مسلم في أنه المخصوص بكل فضيلة، فوجدنا جهاد صلى الله عليه وسلم إنما كان في أكثر أعماله وأحواله بالقسمين الأوّلين من الدعاء إلى الله عز وجل والتدبير والإرادة، وكان أقل عمله الطعن والضرب والمبارزة، لا عن جبن، بل كان أشجع أهل الأرض قاطبة نفساً ويَدًا، وأتمهم نجدة، ولكنه كان يؤثر الأفضل فالأفضل من الأعمال، فيقدمه ويشتغل به، ووجدناه يوم بدر - وغيره - كان أبو بكر معه لا يفارقه، إيثارًا من صلى الله عليه وسلم له بذلك، واستظهارًا برأيه في الحرب، وأُنْسًا بمكانه، ثم كان عمر ربما شُورك في ذلك، وقد انفرد بهذا المحل دون عليّ ودون سائر الصحابة، إلا في الندرة•
ثم نظرنا مع ذلك في هذا القسم من الجهاد، الذي هو الطعن والضرب والمبارزة، فوجدنا عليًا لم ينفرد بالسيوف فيه، بل قد شاركه فيه غيره شركة العيان، كطلحة والزبير وسعد، ومن قُتل في صدر الإسلام، كحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب ومصعب بن عمير، ومن الأنصار سعد بن معاذ وسماك بن خرشة - يعني أبا دجانة - وغيرهما، ووجدنا أبا بكر وعمر قد شاركاه في ذلك بحظ حسن، وإن لم يلحقا بحظوظ هؤلاء، وإنما ذلك لشغلهما بالأفضل مع ملازمة رسول ا صلى الله عليه وسلم ومؤازرته في حين الحرب، وقد بعثهما على البعوث أكثر مما بعث عليًا، وقد بعث أبا بكر إلى بني فزارة وغيرهم، وبعث عمر إلى بني فلان، وما نعلم لعليّ بعثا إلا إلى بعض حصون خيْبر ففتحه• فحصل أرفع أنواع الجهاد لأبي بكر وعمر، وقد شاركا عليًا في أقل أنواع الجهاد، مع جماعة غيرهم" (163) ."
إذن فأمر الإعداد للجهاد بالإيمان والبيان ليس أمرًا سهلاً إذا أخذ بعزم وجد• وكم يحتاج من التضحيات والصبر والمصابرة وطول النفس• وقد يتعرض أهله فيه من البلاء والقرح والشدائد ما قد يفوق ما يتعرض له المجاهد في ساحات الوغى من المهالك والمتالف•
ونظرة سريعة إلى ما تعرض إليه الرسو صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين في مكة من البلاء والتعذيب والحصار والتجويع والتشريد تعطينا دليلاً على أن جهاد التربية والإعداد والبلاغ والبيان يحتاج إلى صبر وتضحية واستعلاء على حب الراحة والسلامة لا يقل عن الصبر على قتال الأعداء•
إذن فالقول بأن الدعوة إلى الصبر على إعداد النفوس للجهاد وبيان الحق للناس، وعدم العجلة في منازلة الكفار قبل أوانها؛ بأنه هروب من الشدائد وإيثار للسلامة ليس صحيحًا ولامقبولاً لما قدمنا•
نسأل الله عز وجل العافية في ديننا ودنيانا وعاجل أمرنا وآجله•
تعقيبات
في ختام هذه الرسالة المتعلقة بالتربية الجهادية أورد بعض التعقيبات المهمة المتعلقة بالإعداد للجهاد أُضمن بعضها تتمات لمسائل لم تأخذ حظها من الإيضاح مع القناعة بأهميتها• وأضمن بعضها الآخر استدراكًا لبعض المسائل التي لها علاقة بالإعداد لكنني غفلت عن ذكرها في زحمة المسائل الأخرى•
التعقيب الأول: تداخل مراتب جهاد النفس بعضها مع بعض:
إن ما ذكر من جوانب الإعداد ومراتبه (العلم والعمل والدعوة والصبر) لا يعني البقاء في مرتبة بحيث لا ينتقل منها إلى التي تليها حتى تستكمل التي قبلها• إن هذا غلط وفهم خاطئ لتحقيق مراتب الإعداد• والمطلوب الأخد بالمراتب كلها وتكميل ما لم يكمل منها؛ فمجاهدة النفس وإعدادها بالتعلم والتبصر في الدين لا يعني ترك مجاهدتها بالعمل الصالح، ومجاهدتها بالدعوة إلى الهدى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ذلك كله• وكلما علم العبد شيئًا من دين الله تعالى جاهد نفسه للعمل به والدعوة إليه والصبر على العمل والدعوة معًا• والمسلمون اليوم - وبخاصة من يهمهم أمر هذا الدين - لديهم رصيد لا بأس به من العلم يبدأون به الإعداد ويُحَوِّلون فيه هذا العلم إلى عمل ودعوة؛ أي إنهم لا يبدأون الإعداد العلمي وهم خلو منه؛ بل إن لديهم من العلم قدرًا جيدًا، وحينها يطالبون بالجهاد للعمل بهذا العلم وتكميل ما ينقصهم من العلم العيني لو وجد نقص في ذلك• والمقصود أن المربين لن يجدوا أنفسهم أمام أفراد لا علم عندهم، بل العلم موجود والحمد لله، والمطلوب تكميله في نفس الوقت الذي يحصل فيه المجاهدة بالعمل به والدعوة إليه•
التعقيب الثاني: تفاوت المتربين في تحصيل مراتب الجهاد، والعناية بالمبرزين منهم: