فهرس الكتاب

الصفحة 8102 من 16717

التوراة؛ عبد الله بن سلام، فهو يشهد أنِّي نبيٌّ رسولٌ مكتوبٌ في التوراة (1) [3536] . (ز)

[3536] اختُلِف في معنى قوله تعالى: {ومن عنده علم الكتاب} بحسب اختلاف القرّاء في كيفية قراءتها، فقد قرأها بعض القراء بفتح ميم: {من} وفتح دال {عنده} ، وقرأها آخرون بكسر ميم {من} وكسر دال {عنده} .

وقد وجَّه ابنُ جرير (13/ 582) القراءة الأولى، وبيَّن المعنى عليها بقوله: «فـ {من} إذا قرئ كذلك في موضع خفض عطفًا به على اسم الله، وكذلك قرأته قَرَأَة الأمصار، بمعنى: والذين عندهم علم الكتاب، أي: الكتب التي نزلت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل» . ثم علَّق بقوله: «على هذه القراءة فسَّر ذلك المفسرون» . ثم ذكر أقوال المفسرين بأن مَن عنده علم الكتاب اليهود والنصارى، سواء في ذلك مَن فسَّرها بمعيَّن منهم كعبد الله بن سلام، أو فسرها بذلك دون تعيين.

وبنحوه قال ابنُ عطية (5/ 216 - 217) واستدرك مستندًا إلى أحوال النزول على هذا المعنى بأنّه لا يستقيم «إلا بأن تكون الآية مدنية، والجمهور على أنها مكية» .

وانتقد ابنُ كثير (8/ 171) تفسير الآية بعبد الله بن سلام مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «وهذا القول غريب؛ لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة» . واستظهر رواية العوفي عن ابن عباس، فقال: «والأظهر في هذا ما قاله العوفي عن ابن عباس، قال: هم من اليهود والنصارى» .

وزاد ابنُ عطية (5/ 216) معنى آخر تحتمله هذه القراءة، فقال: «وقيل: يريد الله تعالى، كأنه استشهد بالله تعالى، ثم ذَكَرَه بهذه الألفاظ التي تتضمن صفة تعظيم» . ثم انتقده مستندًا إلى اللغة، فقال: «ويُعتَرَض هذا القول بأنّ فيه عطف الصفة على الموصوف، وذلك لا يجوز وإنّما تعطف الصفات بعضها على بعض» . ثم قال: «ويحتمل أن تكون {مَن} في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، تقديره: أعدل وأمضى قولًا، ونحو هذا مما يدل عليه لفظ: {شهيدا} ، ويُراد بذلك الله تعالى» .

وبَيَّن ابنُ جرير (13/ 584) أنّ المعنى على القراءة الثانية: «مِن عندِ الله علم الكتاب» .

وبنحوه ابنُ عطية (5/ 217) .

وانتقد ابنُ جرير (13/ 587) الحديث المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتصحيح هذه القراءة بأنّ في إسناده نظرًا لعدم اتّصاله، فقال: «وهذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري» .

وكذا ابنُ كثير (8/ 171 - 172) فقد أورد كلام ابن جرير، ثم قال: «قلت: وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده، من طريق هارون بن موسى هذا، عن سليمان بن أرقم -وهو ضعيف -عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا كذلك. ولا يثبت» .

ورجَّح ابنُ جرير (13/ 587) مستندًا إلى القراءات المعنى الأول بقوله: «فإذ كان ذلك كذلك، وكانت قَرَأة الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهي: {ومَن عنده علم الكتاب} ، كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب مِمّا خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحقُّ بالصواب» .

وكذا رجَّحه ابنُ كثير (8/ 172) ، فقال: «والصحيح في هذا: أنّ {ومَن عِنْدَهُ} اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعتَه في كتبهم المتقدمة مِن بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: {ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ} الآية [الأعراف: 156 - 157] . وقال تعالى: {أوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ} الآية [الشعراء: 197] . وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل: أنّهم يعلمون ذلك مِن كتبهم المنزلة» .

(1) تفسير مقاتل بن سليمان 2/ 384.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت